ثلاثُ فوائد لقرار ترامب!
لا جدال في أن اعترافَ ترامب بالقدس عاصمةً للكيان الصهيوني سيُلحق أضرارا جديدة بالقضية الفلسطينية، ولكنه بالمقابل أطلق رصاصة الرحمة على ما يُسمى “عملية السلام” وقبرَ “حلّ الدولتين” ووضع حدا لأوهام بعض العرب ورهانهم المبالغ فيه على ترامب وتبشيرهم بـ”صفقة القرن” الأمريكية التي ستحلّ القضية الفلسطينية وتسمح لهم بالتطبيع العلني والتحالف مع الكيان الصهيوني بلا حرج.
اليوم، عرّى القرارُ كل المهرولين المطبِّعين الذين طالما بشّرونا بـ”صفقة القرن” قبل أن يوجّه لهم ترامب صفعة مدوّية ويُجبرهم على التواري خجلاً من سوء ما بُشِّروا به، وتوقيف حملتهم الإعلامية الحاقدة على شرفاء المقاومة، وهذه إحدى “فوائد” هذا القرار المشؤوم، وقد يكون أيضاً سببا في عودة الوعي إلى الشارع العربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية كقضيةٍ مركزية أولى بعد أن غطّت عليها الفتنُ الطائفية والحروب العربية الداخلية، وهذه فائدة ثانية للقرار.
وهناك فائدة ثالثة له؛ فقد وحّد هذا القرارُ المتعجرِف الفلسطينيين بشكل يبشّر بنجاح المصالحة التي تعرّضت لهزات عنيفة في الأسابيع الأخيرة على خلفية سلاح المقاومة في غزة، فالآن أصبحنا نسمع عباساً والحمدالله ومسؤولين آخرين يتحدَّثون بوضوح عن ضرورة تعزيز المصالحة ورصِّ صفوف الفلسطينيين لمواجهة الخطر الداهم، واختفى الحديثُ عن تجريد المقاومة من سلاحها، وعن “السلاح الواحد والقانون الواحد”، وهو حديثٌ ما كان ينبغي أن يُطرح أصلاً؛ فهل يُعقل أن نتحدَّث عن سلاح المقاومة البسيط في حين لا يزال الاحتلال موجودا ويفرض جبروته على كل العرب والمسلمين بأحدث الأسلحة الأمريكية؟!
وما دام “السلام” قد قُبر، وسقط معه رهانُ السلطة الفلسطينية بعد قرابة ربع قرن من المفاوضات الماراطونية العبثية مع الاحتلال، فقد آن الأوانُ للسلطة لأنْ تعلن بدورها نهاية اتفاق أوسلو وسقوط “التنسيق الأمني” الذي أنهى المقاومة في الضفة منذ سنوات، وتفجير انتفاضةٍ ثالثة تمكّن الفلسطينيين من المحافظة على وجودهم قبل أن يتحوَّلوا إلى هنودٍ حُمر جدد بأرضهم، لكن المشكلة أن الرئيس عباس لا يزال مترددا ويصرّ على الأدوات والأساليب نفسها في مواجهة المستجدات؛ فهو يراهن على “معارك” سياسية وقانونية دولية مع الاحتلال وترامب، عوض المراهنة على معركةٍ حقيقية يخوضها الفلسطينيون في شوارع الضفة والقدس لكسر جبروت الاحتلال كما فعلوا في انتفاضتي 1987- 1993 و2000- 2004، وكما فعلوا في الصيف الماضي حينما أجبروا الاحتلال على نزع بواباته الالكترونية من أبواب الأقصى والفرار بجلده.
القدس محتلة منذ 50 سنة كاملة، وقرار ترامب بمنحها للصهاينة لتكون “عاصمة” لهم، لا يغيّر في الأمر شيئاً، فالقدس ليست ملك أبيه حتى يمنحها لشذاذ الآفاق، وهي ستُستردّ حتماً مهما طال الزمن، وما نعيشه الآن من ضعفٍ وهوان وانقسامات وحروب ليس سوى عاصفة عابرة مهما طالت، وعسى أن تكون القدسُ هي التي توقظ النائمين من سباتهم وتثير هممهم وتدفع المسلمين إلى تجاوز خلافاتهم والتوحّد لنصرتها.. وإلى أن يتحقق ذلك، ليس أمامنا إلا الرهان على المقاومة والمرابطين في بيت المقدس وأكنافه لمناوشة العدوّ إلى أن يأتي الله بأمره.