جدار الاستفزاز
كمال منصاري
لم يجد اليمين المحافظ الفرنسي أيام قبل زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الجزائر سوى نخر الماضي الأليم في تاريخ فرنسا والجزائر باستفزاز مرة أخرى ذاكرة الجزائريين المريرة بعد أن قررت سلطات مدينة بربينيان إقامة نصب تذكاري يمجد “ضحايا المدنيين والحركة” خلال حرب استقلال الجزائر من ويلات الاستعمار الفرنسي الظالم.النصب التذكاري الذي أطلق عليه اسم “جدار المفقودين والموتى بدون قبور بالجزائر 1954 – 63″ يعد معلما راسخا للحقد والبغضاء اللذين يكنهما قدامى المعمرين المتشددين للجزائر للفرنسية، كما هو صب الزيت على النار لإشعال نار الفتنة بين الجزائريين والفرنسيين وتشويه رسمي لتاريخ الجزائر، مادام أن المبادرة جاءت بإيعاز من وزير قدامى المحاربين ألان مارليكس الذي منذ توليه المنصب وهو يكرر مثل هذه المبادرات لإرضاء أنصار اليمين المتطرف الذين انتخبوا على ساركوزي كما كان الأمر بضاحية بكريتاي بباريس حين التقى بعشرات قدامى المحاربين بالجزائر و”الحركة”.
ويأتي تشييد الجدار كرسالة من التيار المهيمن على السلطة في فرنسا سيحملها من بربينيان “عاصمة الحركة” الرئيس ساركوزي للشعب الجزائري أثناء زيارته وهي رسالة توحي بأن فرنسا تراعى فقط ذاكرة من “عانوا الحرب” من أبنائها ولن تعير أدنى اهتمام لضحاياها في الجزائر وغيرها من مستعمراتها السابقة.
بربينيان حيث ألقيت فيها قوافل الحركة والخونة الذين فروا من جرائمهم في الجزائر، أضحت رمزا قبيحا لتعنت فرنسا واستمرارها في العدوان على ذاكرة ضحايا حرب إبادة شنتها بكل وحشية وجبروت ونكرانا لماضيها المفعم بالأحقاد والجرائم إزاء شعب طالب بسيادته وساندته في ذلك الأمم والشعوب.
إن “الجدار” الذي أقامه اليمين الساركوزي في معقل الخيانة يبين أن هذا هو الوجه الحقيقي لفرنسا الرسمية ولا وجه آخر لديها إزاء حقبة احتلال الجزائر وأنها لا تتوانى في ضرب مشاعر الشعوب التي استعمرتها والتي تخفي أحقادها فحسب، بل تمجدها كما فعلت بقانون 23 فبراير 2005 ورفضها الاعتراف بجرائهما في الوقت الذي تزين علاقتها مع الجزائر بمسميات جوفاء مثل الصداقة والماضي المشترك والتعاون كلما سنحت لها الفرصة.
وإذا كان “جدار بربينيان” استخفافا بضحايا حرب تحريرية نالت وقتها احترام العالم، فإنه يفرق في الحقيقة بين ضحايا الحق وموتى الباطل، أي بين شهداء جزائر بن مهيدي وديدوش و”جزائر الكولون والڤياد”. وهذا ما فصل فيه التاريخ رغم أنف من يحنون إلى “جزائر فرنسية”.