جزائريون ألفوا الزيادات وأحزاب مشغولة بالإنتخابات !
مرّ وكأنه لا حدث بين الجزائريين، على خلاف السنتين المنصرمتين… إنه مشروع قانون المالية والميزانية لسنة 2018، المعروض للمصادقة عليه بعد الانتخابات المحلية، فلا المواطنون اهتموا بمضمون القانون، ولا خرج السياسيون بتصريحات وتنديدات كالعادة، إلى درجة أن أهمّ مشروع قانون ترتكز عليه سياسة البلد، يناقش أمام كراسي فارغة بالمجلس الشعبي الوطني، حيث تغيب ثلثا نواب المجلس عن المناقشات.
حالة من التجاهل واللامبالاة لقيتها عملية مناقشة مشروع قانون المالية لعام 2018 بالمجلس الشعبي الوطني، فغالبية الجزائريين لم يهتموا للأمر، عكس ما حدث السنتين المنصرمتين، حيث عاشت الساحتين الاجتماعية والسياسية حالة غليان كبيرة تزامنا مع مناقشة مشاريع قوانين المالية… “الشروق اليومي” خرجت إلى الشارع وحاولت رصد انطباعات المواطنين حول الموضوع… التقينا أربعة طلبة جامعيين ببن عمر بالقبة، وتشاء الصدف أنهم يدرسون ماستر العلوم السياسية بجامعة ابن عكنون، سألناهم: “هل تدرون ماذا يناقش نواب المجلس الشعبي الوطني خلال هذه الأيّام؟” وبعد تردد، رد أحدهم وبإجابة صادمة خاصة لطالب علوم سياسية، فقال: “يناقشون الانتخابات البلدية…!! إذ يبدو أن معركة الانتخابات المحلية سيطرت على الوضع العام للبلاد، وهي تقريبا الإجابة نفسها التي ترددت على أسماعنا من نساء وجدناهن بسوق بن عمر يتبضعن… أما عمي مقران متقاعد من قطاع التربية، فيبدو أنه لا يزال يعيش صدمة قانون المالية لعام 2016، حين ارتفعت أسعار البنزين والمازوت، فأخبرنا بأنه مطلع نوعا ما على مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، وتخوفه الأكبر هو من الزيادات الجديدة في أسعار البنزين، وفرض مزيد من الضرائب، وإلغاء الدعم الاجتماعي، وحسب تعبيره: “صرت أصرف على سيارتي القديمة التي تسير بالبنزين، مثلما أصرف على عائلتي”.
وحتى الطبقة السياسية تجاهلت بدورها أهم مشروع قانون، وإلا كيف نفسر تغيب ثلثي النواب عن حضور المناقشات.
جزائريون غير مهتمين بالزيادات في الأسعار والضرائب
وعلى عكس ما يروج له من أن مشروع قانون المالية لـ 2018 “سيكون رحيما بجيب المواطن”، فالقانون يتضمن بعض الزيادات الهامة، أهمها ستشمل أسعار الوقود بأنواعه، فأسعار البنزين بكل أنواعه سترتفع بـ6 دنانير، والمازوت بـ 2.5 دج، وهو ما يؤثر حتما على أسعار التنقل عبر وسائل النقل الخاصة والعمومية، وعلى أسعار المنتجات الفلاحية والبحرية، وزيادة الرسوم المتعلقة بالاتصالات والبيئة.
وفي شق السكن، فسيجد المواطن الذي تحصل على شقة في الصيغة التساهمية، نفسه مجبرا على إرجاع إعانات الدولة التي استفاد منها لتسديد أقساط المسكن (الصندوق الوطني للسكن 70 مليون سنتيم، والأفانبوس 50 مليونا) في حال رغب في بيع شقته، ويسدد 5 بالمائة من الفائض على سعر البيع، كما سيتم مراجعة حقوق التسجيل لدى الموثق، عند بيع العقار، ففي الإجراء القديم، كان البائع مثلا يترك مبلغ 200 مليون عند الموثق لمدة 40 يوما، إلى حين إتمام جميع الإجراءات، أما الآن فالبائع مجبر على ترك كامل مبلغ البيع حتى لو وصل ملياري سنتيم عند الموثق لأربعين يوما، وهو ما سيؤثر على البائع الذي ربما باع العقار الذي يملكه لغرض العلاج أو السّفر.
النائب لخضر بن خلاف:
بعض النواب “تدخل ثم هرب” للحاق بالحملة الانتخابية

وفي هذا الصدد، أرجع رئيس الكتلة البرلمانية لجبهة العدالة والتنمية، لخضر بن خلاف في اتصال مع “الشروق” أسباب التجاهل الذي لقيه مشروع قانون المالية 2018 مقارنة بالقانونين الماضيين 2016 و2017، هو تزامنه مع الحملة الانتخابية، التي تفرغ لها كثير من النواب بولاياتهم الأصلية، وحتى النقاشات تحت قبة البرلمان كانت قليلة، “فالبعض تدخل وهرب” حسب تعبيره، كما أن التعبئة الإعلامية كانت ناقصة نوعا ما. وهو ما جعله يؤكد “أن السلطة تريد تمرير مشروع القانون في هدوء، وهو ما جعلها تؤجل التصويت عليه إلى ما بعد الانتخابات، لضمان المشاركة الكبيرة في التصويت”.
كما يرى محدثنا أن مشروع القانون سيمرر بسلاسة “بعد رفض كل التعديلات التي قدمتها المعارضة خاصة ما تعلق بأسعار الوقود”.
وزير الدولة الأسبق أبو جرة سلطاني:
هذه العوامل أسهمت في “فتور” جلسات المناقشات

وبدوره عدّد وزير الدولة الأسبق، أبو جرة سلطاني عبر “الشروق”، ثلاثة عوامل جعلت مناقشة مشروع قانون المالية 2018 “فاترة” على غير العادة، ومنها انشغال النّوّاب بتنشيط الحملة الانتخابية، وتغليبهم المصلحة المحلية على الوطنية، إلى درجة جعلتهم ينقلون أجواء الحملة إلى قبة البرلمان. وأيضا، علمهم بعدم تأثيرهم على توازنات مشروع القانون فانحصرت تدخلاتهم على الجانب التقني فقط، لعلمه حسب تعبيره “أن الحكومة لن تتنازل عن مبدإ الزيادات في الرسوم المقررة”.
ومع ذلك، يعتبر أبو جرة “أنه من غير الحكمة تغيب ثلثي نواب الشعب عن مناقشة أهم وثيقة تعرض عليهم مرة كل سنة، كما أن المصادقة عليها في غيابهم لا تعفيهم من المسؤولية النيابية ولا تعطيهم حق الاحتجاج على ما سوف تقوم به الحكومة من إجراءات بعد المصادقة على المشروع ودخوله حيز التنفيذ ابتداء من يناير 2018، لأن الغائب عن النقاش… غائب الرأي والاقتراح والاحتجاج”.
القيادي في الأفالان طواهرية عبد الباقي:
المواطن يحاول الحفاظ على مكاسبه بالهدوء

اعتبر القيادي في حزب جبهة التحرير الوطني، عبد الباقي طواهريّة، أن الهدوء الاجتماعي الذي لازم عملية مناقشة مشروع قانون الماليىة لـ 2018، سببه الوعي السياسي والاجتماعي الذي اكتسبه المواطنون، موضحا بالقول: “مختلف أطياف المجتمع احتجوا على قوانين الماليّة 2016 و2017، تنديدا بالخصوص على الزيادات في أسعار الوقود، ولكنهم مع الوقت أدركوا أن أسعار الوقود في الجزائر تعتبر منخفضة جدا مقارنة ببقية الدول، مع عدم تراجع الدولة عن سياسة الدعم والحفاظ على المكاسب الاجتماعية، في عز الضائقة المالية، وهذا ما أكسب الجزائريين وعيا سياسيا بعد إدراكهم حقيقة الأوضاع”.
المحلل السياسي عبد العالي رزاقي:
ردود أفعال المجتمع ستظهر بعد دخول القانون حيز التنفيذ

فيما رأى المحلل السياسي، عبد العالي رزاقي، أن رد فعل مختلف أطياف المجتمع، سيظهر بعد المصادقة على مشروع القانون من طرف البرلمان بغرفتيه ثم رئيس الجمهورية، وبعد دخوله حيز التنفيذ مطلع جانفي 2018، معتبرا أن اهتمامات المواطنين تغيرت “إلى درجة رأينا اهتماما كبيرا في المجتمع بالزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من اهتمامهم بمناقشة مشروع قانون المالية”.