جزائريون يفضلون مقاطعة الأحياء وزيارة الأموات في العيد
قبل أن تصاب القلوب بـ”الأنيميا” و”السكري” وغيرهما من الأمراض المزمنة، كان العيد فرصة لترميم العلاقات الاجتماعية التي كسرتها المشاكل والخلافات، والموعد المرتقب الذي يرفع فيه الحظر عن جميع الممنوعات التي كانت سورا منيعا يفرق القلوب عن بعضها، أما الآن فلم يعد العيد بالنسبة للكثير من الجزائريين إلا موعدا لتجديد العهد بـ”المقاطعة”، ولذلك صار الأموات هم قبلة “المقاطعين” في العيد، فيزورن المقابر بدل زيارة الأهل والأقارب، في انتظار أن تتأزم حالة القلوب أكثر فيتم مقاطعة الاموات بناء على ماجرى قبل أن تفرقهم القبور.
“اللي في القلب في القلب”
إذا سألت أي شخص عن الأجواء التي تصاحب العيد، سواء عيد الفطر أو عيد الاضحى أجابك على الفور بنبرة ممتلئة بالشحوب “سامطة”، وأضاف عليه “ربي يرحم عيد زمان”، “عيد زمان” الذي لم تكن فيه المكالمات الهاتفية ورسائل “الاس أم أس” تتولى مهمة توزيع التهاني، ولم تكن القلوب قد أصابها من الحقد والغل ما أصابها اليوم، فتجد الواحد يلقي عليك تحية العيد استجابة لوصية إمام المسجد الذي صلى فيه صلاة العيد، وكأنما ينفث فيك سما وهو يقول بينه وبين نفسه: “لوكان لا ماجاش العيد..” لتبادله أنت نفس الاحساس حتى لا تكون أقل منه “مروءة” مرددا بينك وبين نفسك: “لوكان لاماجاش العيد..” ليتم استئناف”مسلسل” الحقد العلني بعد العيد مباشرة.
وإذا كان بعض الجزائريين قد أبقوا علاقاتهم مع الاخريين “واللي في القلب في القلب”، إلا أن أناسا آخرين قطعوا هذه العلاقات على حساسيتها بحد السيف، غير آبهين بصوت الامام الذي بح في المسجد وهو يردد: “صِلوا أرحامكم.. بيِّضوا قلوبكم” وكأنهم يردون عليه: “دبَّر على روحك”، وصنف ثالث من الناس الذي لا يعني له العيد إلا شربة هنية، وأكلة دسمة، تجده يتحاشى الناس في العيد وكأنهم مصابون بالوباء، فتراه يخرج من المسجد متسللا كقاتل مأجور وهو يلتفت يمينا وشمالا لئلا يراه “المعيّدون” فيفرقعون خديه بالقبلات، فإذا خرج من المسجد ردد بينه وبين نفسه “الحمد لله ما شافونيش”، أما إذا دخل بيته فيوصي زوجته وأبناءه قائلا: “مارانيش هنا” !.
“صح عيدكم أيها الأموات”
ولأن الأحياء “ما فيهم خير” ولا يأتي من ورائهم إلا المشاكل، يفضل الكثير ممن “عيّدوا” على صلة الرحم والصحبة والجوار، الذهاب إلى المقابر، ليس بغرض زيارة الاموات كما جرت العادة وحسب، وإنما تجنبا لمقابلة الأحياء، فالأموات لا يملكون لهم الضر ولا يحملون لهم ضغينة، لذلك هم أحق بالزيارة والتي يقوم بها حتى الذين ليس لديهم أموات جدد في المقبرة، وفي هذا الصدد قالت لنا “نبيلة. م”: علاقاتنا بالأقارب ليست على ما يرام، ولا أظنهم سيرتاحون لزيارتي لهم، ولا نحن سنرتاح لزيارتهم لنا، لذلك أقوم بتأدية صلاة العيد في المسجد ثم أتوجه مباشرة إلى المقبرة، حيث أجلس فيها لساعات، وأراقب أهالي الاموات الجدد وهم يبكون بحسرة أمواتهم، وأحيانا أشاطرهم أحزانهم فأبكي معهم مع أني لا أعرفهم”.
ونفس الانطباع تقريبا وجدناه عند صديقتها “حورية” التي قالت: “قبل سنوات قليلة كنت أقوم بزيارة أقاربي بعد صلاة العيد، ولكني مع الوقت لاحظت أنهم يعاملونني على أني ضيفة ثقية، فما إن أجلس حتى يتحججوا بأي شيء لينفضوا من حولي، فأجد نفسي أجلس وحيدة، لذلك قررت أن أرافق صديقتي إلى المقبرة، حيث نقضي صبيحة العيد بين القبور للترحّم على الأموات الذين لا يمكنهم الإساءة إلى أحد”.