-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جمالُ المدن من جمال روح أهلها

جمالُ المدن من جمال روح أهلها

استيقظ في الجزائريين وازعُ عشق مُدنهم. فكلّ يتغنى بـ”ليلاه”، وهو مؤشرٌ صحّي، لو جرى احتضانه ودفعه بقوانين وإجراءات ومشاريع آنية، لتحوّل حلم الجمال إلى حقيقة، وتحوّل هذا الاستيقاظ الآني إلى أسلوب حياة دائم، بين الحب والتطبيق، فتعطينا مُدنا آسرة، وجميعها منّ عليها الخالق بجمال جعل الكثير من الجزائريين عندما يُسمّون بلادهم “القارة”، إنما عن قناعة تامة.

إلى وقت غير بعيد، صُنِّفت الجزائر العاصمة ضمن المدن التي تثير الاكتئاب لزائريها، فقد كان القائمون عليها يسيّرونها، كما يُسيّر “عُمدة” أرياف مصر، في زمن مضى، شؤون الناس. ولكن بعض التصنيفات العالمية الأخيرة، صارت تنصح عشاق جمال العمران ومُستنشقي الياسمين ومتذوقي أشهى الأطباق ورحّالة التراث والتاريخ بزيارة “المحروسة”، وتُصنِّفها ضمن أجمل عواصم المعمورة.

أجملُ ما في عشق الجمال، أن الغيرة على المدينة اشتعلت، فبعد زيارة رئيس الجمهورية إلى مدينة قسنطينة، وما صاحب الزيارة من زرع لبعض المشاريع، انطلق مهندسو ومصممو الأبراج والجسور والحدائق في تقديم عروضهم، لتحويل المدينة إلى قطعة من الفتنة، بينما التهب عشاقُ الجمال في مدن أخرى وأعلنوها انطلاقة لا توَقُّف بعدها، حتى تتحول سطيف والشلف والجلفة وغيرها، إلى مدن تسرُّ عشاق الجمال.

لقد نجح أهلنا، في بعض القرى في بلاد القبائل، في أن يحوِّلوا قراهم إلى “شامة” في وجه المنطقة، ليس تجميلا فقط، وإنما ضخّوا فيها كتلة هوائية من النظافة والنظام الاجتماعي الراقي، ولا نفهم لماذا لا يُنقل مهندسو هذا الإبداع إلى مدن كبرى أو إلى عاصمة الولاية، ليرسموا بريشتهم مزيدا من الجمال. وكما خطفت الجزائر ابنها فؤاد معلي من كوخ أحلامه، إلى واقع المليون شجرة، يوجد بدل فؤاد في عالم الأفكار وإرادة التطبيق، الخاص بالجمال والنظافة والنظام، أفئدةٌ أخرى تخفق بأحلام جميلة، لبلد بدأ يلمس فتنته بنفسه، وبدأ يتمتَّع بها.

يجب ألا تبقى مشاريع تجريم رمي القاذورات في الطريق وقطع الأشجار وتشويه الجدران وإيذاء الناس بالكلام الفاحش، مجرّد جُمل على أوراق، تقذفها الرياح السياسية والمزاجية، فعندما يشعر عشاق الجمال الذين أعلنوها ثورة لأجل مُدنهم وبلادهم، بأنهم محصَّنون بقوانين تحمي سَعيهم، فسينتصرون بخسارة أعداء الجمال والنظام العامّ.

على استحياء، دخلت الجزائر في السنوات الأخيرة بعض مسابقات الأطباق الغذائية والحلويات التقليدية، واقتربت من اليونسكو مقدِّمة تراثها، وسمحت من دون مراودة ولا تشجيع لبعض صانعي المحتوى وقنوات السمعي البصري القادمين من أقصى القارات، بتصوير ما شاءوا من عمق الجزائر، فكانت النتائج باهرة، عندما أجمع الأمريكيون والخليجيون والأوروبيون والآسيويون، على أن الجزائر ليست قطعة من الجمال، وإنما الجمالُ كله.

كل مشاريع تجديد الهشّ، وترميم العتيق، وعصرنة القديم، وتخضير المتصحّر، يجب أن تنطلق، وتكتمل من دون أي خذلان، فسيوفُ التقدُّم المنطلقة لقطع أعداء الجمال، لا تعود إلى غمدها أبدا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!