جمهوريات ”الأخوة” و”الأصدقاء”؟!
يبدو أننا رجعنا إلى الجمهوريات الأفلاطونية القديمة في عهد الإغريق، بخلفية الخلدونية المبنية على العصبية والقبلية، أو”عقلية الدشرة” فالعديد من مؤسسات الدولة بمختلف مشاربها السياسية منها، أو الاقتصادية أو الاجتماعية، يلاحظ فيها تنامي هذه الظاهرة الغربية عن تقاليد “الجمهورية” و”المواطنة” أين يصبح فيها المواطن المكفئ الملتزم “غربياً” عن الديار والدار، فيترك المجال للعصبية، والرداءة تقتحم بحجة الولاء التام… والطاعة العمياء… ولو على حساب الصدق والنزاهة…؟؟
- فالبعض من مسؤولينا يحب أن يشكر ويثنى عليه، ولا يتق في الآخر… خوفا من فقدان المنصب، أو حتى يترك المنصب، “يلمع” به… وينسى أن أساس التداول على السلطة يفترض عليه أنك أنت الذي تشرف المنصب… وليس العكس؟ أو يفترض أن تبتعد عن المناطق الرمادية المتعارف عليها في الديمقراطيات، والتي هي أساس الحكم الراشد أو الشفافية والنزاهة، وقد يصطلح عليها فقها وقانونا بمفهوم نازع المصالح؟!…
- إلا أنه يبدو في جزائرنا، وفي مختلف المستويات هذه الأبجديات ليست لها مكان أو مستقراً لها، “إمبراطورية سوناطراك” وما أفرزته من تداعيات عائلية، لعائلتين أو ثلاثة… والانعكاسات السلبية التي على الجزائر بشكل عام … كاشفة لمنطق العائلة أولا ثم المؤسسة ثانياً!!!…
- فذلك الوزير أو المسؤول الحزبي بعين أقرب أقربائه في جهاز حساس تابع له للدعاية والإعلام، أو يوفد أحد أبناءه لتدشين مؤسسة ما، ثم يصبحوا علينا ويهللوا علينا بأفضال الديمقراطية وإننا في عهد جديد عهد النزهة، أو التداول على السلطة وضرورة تدوير المناصب، والتشبيب والكفاءة والقدرة، والايجابية وعدم سب الظلام وغيرها من المصطلحات التثقيفية فقط بالنسبة لهم، بعيدة كل البعد عن المجال الـسلوكي أو العملي لهم !!
- ومن ثم هذه الثقافة المبنية على “الـــزابونية الجهوية” وتوسيع المجال الحيوي الشخصي للفرد أو الأنا للسؤال، أي إسقاط جمهورية لويس الرابع عشر بمقولة الدولة أنا .. دون غيري !! هي التي أفرزت دعاة تمزيق الجزائر…
- فقد تفسد أكثر مما تصلح على المدى البعيد والقريب، فالزعيم والمعلم، أو سيد العارفين انتهى عهدها حضارياً ودوليا وعلميا، ولكن يبدو أن البعض لم يهضم بعد هذه التغيرات أو مازال يعيش في حقبات من الماضي الغابر والبعيد ..
- فالديمقراطية الحقة والغير المغشوشة مبنية على مسلمات وقواعد قبل أن تنجر أو تتكيف حسب خصوصيات كل مجتمع من المجتمعات !! أولها، القناعة على عدم استخدام الدولة وأموالها وممتلكاتها كريع خاص أ و مملكة خاصة، بقدر ما تسخر وتنمي للمجتمعات الوطنية وللصالح العام . فيبدو أن فكرة الملكية الخاصة وشخصية المؤسسة مازالت قائمة والمؤشرات دالة على استمرارها لسنين، بحكم التشجيع لها الغير المباشر بالممارسة والفكر للاستفادة الخاصة من فئة قليلة على حساب العامة والغالبة واستقلال جميع أجهزة الرقابة .
- ثانيا، القوانين والمراسيم، إن لم تتبعها قدوة وإرادة صادقة وجادة، فلن تحدث مفعولها فتصبح عبارة عن “ماكياج” أو “تجميل” أكثر من ملامح حقيقية وطبيعية، ومع مرور الزمن تفقد بريقها، فبقدر ما كان المدح شديدا، بقدر ما سيكون الذم كبيرا، فكم من مسؤول قبل أن يعطس يترحم عليه أزيد من ثلاثين مليون جزائري !!..
- وبقدر ما زالت القوة المصطنعة حوله، أصبح ككبش الفداء، فبقدر ما كان المترحمين عليه ازداد عدد الشامتين له، فالسقوط الحر صعب إن لم يكن الشخص صادقاً، وخدوما للصالح العام، فجمهورية الأخوة والأصدقاء كذلك قد تكون يألون الجمهورية، وما أكثر أبواق الجمهورية على مختلف المستويات، بمنطق إما معي أو ضدي .. إن تكن بعيدة من تلك الجهة صاحبة المصلحة.
- هذه الإفرازات السلبية لا تحتاج لخطب ومهرجانات خطابية، أو تعليمات، أو قوانين بقدر ما تحتاج لقدوة وممارسة .. فهذه الإفرازات السلبية هي الفيروس الذي ينحر الدولة ويؤدي لتآكلها، فلا تنفع معها لا ديمقراطية، ولا مواطنة، ولا سيادة القانون… فهي نفي للقانون بامتياز !!!
- فأفلاطون وابن خلدون وفكر القبيلة إن كان يوصف أصحابه وينسبون أصحابه لعصور الظلمات، ولكن يبدو أن ظلمة النفق مازالت ممتدة لعصورنا.. واستطاع البعض الذي كنا نصفهم فيما قبل بـ(بدول الموز) أن يخرجوا من هذا المأزق ويبنوا دولهم لا تزول بزوال الرجال، مبنية على المؤسسة والكفاءة مع أو ضد الأصدقاء والأخوة.. معيارها بعيد عن الدم والــقبيلة… ولكن قريب من الكفاءة والنزاهة والالتزام بأسس الدولة والجمهورية .. وهل المطالبة بذلك مستحيل أو إجحاف في حقهم ؟! ..
- أترك الإجابة لكم؟!…