-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“حتى لا ينحرف شبابنا نحو الإلحاد!”

سلطان بركاني
  • 101
  • 0
“حتى لا ينحرف شبابنا نحو الإلحاد!”

المتابع للنّقاشات الفكرية المحتدمة على مواقع التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، يلحظ ميلا عاما لأكثرية رواد هذه المواقع إلى الاعتزاز بالإسلام الحقّ في نسخته الأصلية النقية التي تربط المسلمين بالله الواحد الأحد دون ما سواه من المخلوقات، وتؤسّس للأمّة الواحدة، وتزجر عن التفرق والاختلاف، وتحضّ على التآزر والتناصر بين المسلمين لحماية بيضة الإسلام وتبليغ رسالة السّماء إلى العالمين وإخراج البشرية من ظلمات الأديان المحرّفة والأفكار المنحرفة إلى نور الإسلام ومبادئه السامية التي تعلي شأن العقل المتحرّر من النوازع الأرضية.

هذا هو الميل العامّ والغالب لأكثر الشّباب، لكنّ هناك نزوعا عند بعضهم إلى تبنّي علمانية غير معلنة، تحصر الدّين في النطاق الشّخصي، كعلاقة خاصّة بين العبد وربّه لا صلة لها بشؤون المجتمع وقضايا الشّأن العامّ! حتى أنّ بعض الشّباب أصبح ينظر إلى واجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على أنّه تطفل وتدخل في الأمور الشخصية والخاصّة، ويرفع شعار “دع الخلق للخالق” في وجه كلّ من ينبري لانتقاد سلوك أو ظاهرة تخالف الشّرع!

وفي خضمّ هذا التوجّه الذي بدأ يتنامى بين فئة من الشّباب معروفة بقلّة اطّلاعها وقصر باعها في فهم علاقة الدّين بالحياة بل فهم حقيقة الحياة ذاتها؛ بدأت تطفو على السّطح شنشنة إلحاد غير معلن بين بعض الشّباب كردّ فعل للواقع الصّعب الذي يعيشونه وسط أمّة يفترض أنّها “مسلمة” ولكنّهم لا يرون فيها شيئا من مآثر الإسلام التي تتحدّث عنها الكتب، كالعدل والمساواة والعزّة والكرامة!

لا شكّ أنّ الأسباب التي جنحت ببعض شبابنا نحو الإلحاد، كثيرة، منها ما يتعلّق بحال الشّباب وضعف حصانتهم وقلّة علمهم واطّلاعهم، ومنها ما يتعلّق بالظّروف الصّعبة التي يعيشون وسطها، ومنها ما يتعلّق بواقع الأمّة الذي لا يسرّ مسلما… ولكن لعلّ أهمّ سبب في نزعة الإلحاد الأخيرة، هو هذا “التديّن المغشوش” الذي يعرض للمسلمين نسخة مزوّرة من الدّين لا علاقة لها بالدّين الحقّ الذي تنطق به آيات القرآن وتشهد له سيرة النبيّ العدنان وسير العلماء الأعلام على مرّ القرون والأزمان.

تديّن يسكت عن استشراء الظّلم وانتشار الأثرة والمحاباة، وغياب العدل والمساواة، ويرى الأغنياء والمقرّبين وأصحاب الوساطات يستأثرون بالخيرات والأعطيات والمناصب والعلاوات، بينما يؤخّر الفقراء وأبناؤهم ويدفعون عن الأبواب، ويرى صاحب الجاه والمنصب والوساطة إذا أخطأ تُرك ووجد من يبرّر له خطيئته، وإذا أخطأ الضعيف عوتب وعوقب ونكّل به! يرى التديّنُ المغشوش كلّ هذا فلا يكتفي بالسّكوت عنه، بل يساهم في صرف النّظر عنه وربّما يحرّف نصوص الدّين ليشرعن له ويطيل بقاءه!

تديّن مغشوش، يغري أتباعه بالطّعن في العلماء الربّانيّين والدّعاة الصّادقين والمصلحين العاملين، ويلهيهم بتتبّع أخطاء هؤلاء المصلحين وسوء الظنّ بهم عن دعاة الشرّ والفساد.. تديّنٌ يبالغ أتباعه في تقريع عوامّ المسلمين بأخطاء أكثرها من الصّغائر، في الوقت الذي يسكتون فيه عن العظائم التي يقع فيها الخواصّ! وربّما يصل بهم الأمر إلى شرعنة الخنوع للمعتدي الذي ينتهك العرض ويأخذ المال ويجلد الظّهر، ويصحّحون ولايته ولو كان ممّن يجاهر بالزّنا والفاحشة وشرب الخمر!

تديّن مغشوش يخذّل رموزُه وأتباعه عن قتال الكافر المعتدي المحتلّ لأرض المسلمين، ويحمّلون مسؤولية جرائمه للمقاوم والمرابط الذي ينتدب لتحرير أرضه والدّفاع عن عرضه رغم قلّة العدّة والعدد.. تديّن يبرّر موقفَ المسلم الذي يخذل أخاه المسلم الذي يُحتلّ وطنه ويُسفك دمه ويُشرّد في أرضه.. لكنّ أتباع هذا التديّن المغشوش عندما يتعلّق الأمر بقتال ينشب بين المسلمين، فإنّهم يدقّون طبول الحرب ويوقدون نيران الفتنة!

تديّن مغشوش يُعلي من شأن القضايا الجزئية الصّغيرة ويُميت قضايا الدّين والأمّة الكبيرة، ويهتمّ بالمظاهر ويهمل الأخلاق والجواهر؛ حتّى أنّك تجد كثيرا من أتباعه يبالغون في التأصيل والتنظير والجدال في مسائل تتعلّق –مثلا- بطول اللحية وحدّ القميص وما يجوز وما يحرم حلقه من الشّعر وأحكام المسح على الخفاف والنعال والجوارب وأنواع الإفرازات… حتى وصل الأمر بأحدهم إلى حدّ أنّه -وفي خضمّ حرب الإبادة التي سلّطت على غزّة- زعم أنّ المسلم يُسأل في قبره إن كان يتنزّه من بوله ولا يُسأل عن فلسطين! في الوقت الذي لا يعيرون فيه أيّ اهتمام بقضايا الأمّة الكبيرة، وإن تحدّثوا فيها كان موقفهم –غالبا- في صالح الأعداء! ولا يلتفتون لكبائر الذّنوب المجمع عليها كالغيبة والنّميمة وخذلان المسلم ومعاونة الكافر على المسلم وإخلاف العهد، بل إنّك تجد هؤلاء المتديّنين تديّنا مغشوشا يقعون في كثير من هذه الكبائر ولا يتوبون منها ولا هم يذكّرون!

إنّه لا عذر للشّباب الذي يبرّرون لأنفسهم الجنوح إلى تبنّي العلمانية أو اعتناق الإلحاد بواقع هذا التديّن المغشوش، لأنّ التديّن الحقّ بريء منه، كيف بدين الله الحقّ الذي تتواتر نصوصه ناطقة بالبراءة من هذه الانحرافات التي يقوم عليها التديّن المغشوش، والتي وقع في كثير منها أهل الكتاب من قبل، وشنّع عليهم القرآن بها وأنكرها عليهم أشدّ الإنكار.. لا عذر لشبابنا في التعلّل بواقع التديّن المغشوش، ولكن ينبغي أن ندرك أنّ مجابهة هذا النّوع من التديّن أصبح واجبا متعيّنا، لأنّه أضحى من أهمّ أسباب انتشار العلمانية وتغلغل الإلحاد في أوساط الشّباب، وهذا الواجب ليس متعيّنا على كلّ الدّعاة والنّاشطين على مواقع التواصل، إنّما يكفي أن تضطلع به فئة منهم، حتّى لا تشغل الأمّة بمعارك داخلية عن معركتها الأهمّ مع الصّهاينة والصليبيين المعتدين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!