حج البيت.. من البيت!
كان كافيا أن يتدحرج سعر النفط إلى الأسفل، لكي يلغي سياسة دولة بكاملها طيلة خمسة عقود! لم نفكر يوما في الاستغناء يوما عن “ريح الغاز والنفط”، حتى إن الكثير منا صار يتساءل “هل النفط نعمة أم نقمة”، خاصة لما ننظر إلى بلد جار مثل المغرب، الذي لا يعتمد في اقتصاده على النفط، بل على الفلاحة والسياحة، كيف طور اقتصاده وثمن العمل الفلاحي والحرفي، وطور أساليب الاتصال قبلنا، وشق طرقه بشبكة الطرق وطور المواصلات.
صار النفط عندنا عبءا اقتصاديا! بفعل سوء التسيير والاتكالية، واليوم فقط، عندما صار سعر النفط في أدنى مستوياته، فزعنا، لنصرخ وندعو الشعب إلى التقشف والعمل وإلى “تزيار الحزامة” وإلى إيقاف “الاستيراد”، والاكتفاء باستهلاك منتجات القطاع الخاص المحلي المتنامي بفعل دعم خزينة الدولة له! وهذا حتى لا نهرب دراهم النفط إلى الخارج، وصرنا ندعو إلى الاستثمار في الفلاحة والسياحة، ونرفع الدعم عن كثير من المواد غير الإستراتجية، بما في ذلك الحج! الحج الذي صار بالنسبة لهم! من “الكماليات”! وإذا تواصل انهيار سعر النفط، لا قدر الله، لوصلنا إلى منع السفر والعمرة والحج!
نمت على هذا التخوف من المستقبل، في ظل انخفاض سعر النفط الذي سيدفع ثمنه المواطن “غير الصالح”، بعد أن مهد المواطن “الصالح” طريقه وطريق أحفاده وعبّده “أحسن تعبيد” ليعيشوا أيامهم الجميلة بما راكمه “الأسلاف ” من نفط “الإفلاس”، نمت، لأجد نفسي وزيرا “لخزانة العمومية” (“عمومية”: معناه خزانة أبناء العمومة!!). خزانة فارغة على “قروشها” ومهمتي هي ملؤها من جيوب المواطنين “غير الصالحين” لصالح المواطنين “الصالحين” من أصحاب المال والأعمال والبرجوازية الجشعة “الناشعة” النهمة الذين أعفيناهم من كل الضرائب، فيما ضربناها في عشرة على كل مواطن له ضريبة، أي شهرية أو راتب أو معاش! الكل عليه أن يشارك في بناء الاقتصاد المحلي للقطاع الخاص. كما قررنا أن نمنع كل أشكال السفر إلا أصاحب الجوازات الدبلوماسية وعددهم مليون شخص، وهذا لمدة 20 سنة قابلة للتجديد، ما لم يستعد النفط سعر 100 دولار للبرميل!
بالمقابل، أفتى علماؤنا “الأجلاء”، بجواز (سفر) الحج والعمرة.. محليا! (كما أصدرنا شعارا: السياحة المحلية لربح المعركة الصناعية والفلاحية”. مع ذلك، قمنا ببناء بيوت جهوية تشبه الكعبة تكون بجوار المساجد الكبرى، بعدما اشترينا من السعودية 4 ستائر قديمة للكعبة بأربعة ملايير دولار وكسونا بها 4 “كعبات”: في الشرق، في الغرب، في الوسط وفي الجنوب، وهذا تيمنا بما فعلته العرب في الجاهلية، عندما بنوا العديد منها في بلدانهم لاستدراج أموال وتجارة الحج! فعلها القرامطة أيضا لما سرقوا الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، وحجزوه لمدة 25 سنة في الإحساء، وراحوا يقطعون الطريق على الحجاج لضرب الاقتصاد الفاطمي.
نحن لم نقطع الطريق ضد أحد، ولكن قطعنا الطريق أمام تهريب العملة، بذريعة العمرة والحج والسفر لكل من هب ودب! من الآن فنازلا، السفر إلا لمن هب، أم من دب.. يدب على راسوا..
وأفيق وسط ظلمة البيت وقد فتحت “الفريجيدير” الفارغ وهو الخزانة العمومية، ورميت رجلي فيه، معتقدا أنه بيت الماء!