تعج صفحات التواصل الاجتماعي في جنوب سوريا، سواء التابعة للقرى والقبائل السنية أم الصفحات الدرزية بالأخبار عن قرب هجوم ميلشيا حكمت الهجري بدعم إسرئيلي. وربما يكون ذلك صحيحا وقد يكون مجرد قنابل دخان للتمويه على مشروع اسرائيلي أعمق وأكثر تعقيدا من ميلشيا همجية.
الخطر على سوريا لا يقتصر على احتمال اشتباك محلي في السويداء أو درعا. الأخطر أن تتحول الانقسامات المحلية إلى مدخل لتثبيت واقع أمني إسرائيلي داخل البلاد، أو إلى ذريعة لجرّ الدولة إلى مواجهة تختار إسرائيل توقيتها ومسرحها. وهناك ثلاثة مسارات تتقدم معاً.
الأول ضغط في الجنوب يستثمر حال العداء بين دمشق وبعض القوى الدرزية. والثاني عقيدة إسرائيلية معلنة تقدّم الضربة الاستباقية والمنطقة العازلة على التفاوض واحترام السيادة. والثالث تصعيد حول إيران تحكمه حسابات انتخابية في تل أبيب وواشنطن.
وانتقلت الأخبار إلى الإعلام الاسرائيلي، حيث نقلت قناة i24NEWS الإسرائيلية عن “مسؤول سوري” لم تسمّه أن دمشق تخشى هجوماً لجماعات درزية مسلحة بدعم إسرائيلي، وأن مروحية إسرائيلية هبطت محمّلة بالسلاح.
هذه رواية طرف واحد لم تؤكدها جهة مستقلة، وقد تكون مختلقة لكن قيمتها في توقيتها ومنصّتها. فحين تبث قناة إسرائيلية خبر هجوم مرتقب ودعم إسرائيلي له، ينتقل ما كان يُدار في الظل إلى مرحلة التعبئة العلنية.
وتطرح المعلومات المتداولة عن رواتب بنحو مئة دولار تُدفع منذ أربعة أشهر، وعن منع السكان من الوصول إلى جبل قليب، أسئلة لا يجوز تجاوزها. من يدفع الرواتب؟ ولماذا تُقيَّد الحركة حول موقع مرتفع؟ إذا ثبتت هذه الوقائع، فنحن أمام تبعية ميدانية تُشترى بثمن زهيد، وأمام سيطرة على نقطة مشرفة. وقد يتحول الجبل إلى «مسمار جحا» يبرر بقاءً أمنياً دائماً.
سوريا وشبكات حمايتها في مواجهة إسرائيل
حين زرت سوريا أول مرة بعد التحرير، كانت الآمال كبيرة وبدا واضحاً أن الإقليم متعب ويريد أن يمنح الدولة الوليدة فرصة. وظلّ كثيرون ينظرون إلى المشروع الإسرائيلي بوصفه خطراً كامناً لا خطراً فاعلاً، على أساس أن معركة إسرائيل مع إيران، وأن الحكم الجديد منشغل ببناء نفسه. غير إن القراءة الأدق كانت ترى أن الخيار الإسرائيلي الحقيقي هو بقاء بشار الأسد، لتبقى سوريا في حالة موت دماغي: جسد بلا حراك، وميدان مفتوح لمشاريع الدول الكبرى وتقاسم النفوذ.
شكل سقوط الأسد صدمة لإسرائيل، فتعاملت مع الحكم الجديد بنزق شديد، وشنّت يوم التحرير واحدة من أكبر العمليات في تاريخ سلاحها الجوي. واختارت دمشق في المقابل استراتيجية واضحة تقوم على تجنب المواجهة. وتعرضت بسبب ذلك لانتقادات حادة من قوى رأت أن الاعتداءات تستحق رداً، ولو بموقف لفظي أشد. كان رهان دمشق أن ترامب قادر على كبح نتنياهو، وأن واشنطن تستطيع ضبط الغطرسة الإسرائيلية. وما يجري اليوم يشير إلى أن الملف الإسرائيلي ما زال خارج السيطرة.
عقيدة «المعركة تلو الأخرى» وخريطة التهديدات
عرض نتنياهو عقيدة أمنية تعطي الأولوية للمنع والهجوم والضربات الاستباقية. ووصفتها «فايننشال تايمز» بأنها نموذج «معركة تلو الأخرى»، يقوم على الحرب الممتدة والسيطرة على أراضٍ في دول الجوار لإقامة مناطق عازلة. ونقلت الصحيفة عنه قوله لضباطه: «لا مزيد من احتواء التهديدات. إذا لم تذهب إلى الغابة، جاءت الغابة إليك».
وقال لترامب، بحسب ما رواه، إن إسرائيل «الحليف المقاتل الوحيد» لأميركا في العالم، فردّ ترامب: «أنت محارب عظيم، وسنثبت ذلك قريباً جداً». أما سموتريتش فنُقل عنه حديث عن بناء قدرات لمواجهة مصر وتركيا والأردن وسوريا، أي أن دولتين بينهما وبين إسرائيل معاهدتا سلام صارتا في خانة الخصوم المحتملين.
وهذا التصور لا يخص نتنياهو وحده. فدراسات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) تتعامل مع سيادة دول الجوار بوصفها مسألة قابلة للتأويل. والمرجّح أن تغيير الحكومة في إسرائيل لن يغيّر جوهر المفهوم، وهو أن المجال الذي تبلغه طائراتها فضاء مفتوح أمام القوة.
وفي العرض نفسه وضع نتنياهو خريطة أعدتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية لاصطفافات المنطقة، تحت عنوان «تهديدات مركزية: ساحات». بهذا تحولت خريطة بحثية إلى قائمة تهديدات. والخريطة تحصر الحليف الحقيقي لإسرائيل في الإمارات، وتضع قوات الدعم السريع السودانية بين الجهات «الصديقة» لإسرائيل والإمارات.
وفي المقابل أدرج نتنياهو تقارب أنقرة والقاهرة والرياض وإسلام آباد ضمن «التهديدات المركزية»، وقرن «الإخوان» بالمحور الشيعي، في إطار تصفه قراءات إسرائيلية بأنه يتمحور حول تركيا وقطر.
والمعنى أن خريطة تقول إن الانقسام في المنطقة جيوسياسي يمر بين الرياض وأبوظبي، تحولت على يديه إلى انقسام أيديولوجي بين «اعتدال» و«تطرف» حسب تصنيفه . والمرجّح أن الرسالة موجهة إلى واشنطن قبل غيرها، ومفادها أن حلفاءها السنّة صاروا مصدر قلق لإسرائيل.
دمشق لا تعيش أوهاما
الحكم السوري الجديد وُلد من قلب الحروب. والحاكمون في دمشق يقاتلون منذ عقدين، ويعرفون كلفة الحرب، ويملكون الخبرة للتعامل معها. والشعب السوري، رغم رفضه للحروب، قادر على إرباك الإسرائيليين إذا فُرضت عليه المواجهة.
وإذا فُرضت الحرب على سوريا، فهي لا تريد تحرير الجولان ولا تستطيعه، ولا تسعى إلى الوصول إلى طبريا أو القدس. لكن عقيدة الجيش السوري الجديد ترى في إسرائيل عدواً، وشعارات نصرة غزة والقدس التي يرفعها جزء من هذه العقيدة لا يمكن محوه. ومواجهة من هذا النوع تتطلب إعداداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، وعمقاً عربياً وإسلامياً.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى شبكات حماية. وسوريا القوية بعد سنوات زادت أم نقصت قادرة علي تحرير الجولان والقدس.
شبكة الحماية الأولى: الجبهة الداخلية
الاختراق الإسرائيلي يستهدف عادةً الوحدة الوطنية. لذلك تبدأ الحماية بالتماسك الداخلي، فلا يكون أي مكوّن سوري، كردياً كان أم علوياً أم درزياً، محسوباً على إسرائيل أو متعاوناً معها.
ومن المؤسف أن القيادة التي اختطفت قرار الدروز، ممثلة بالعميل الصهيوني حكمت الهجري، تجاهر بالاستقواء بإسرائيل وتستدعي تدخلها. وسيبقى قصف وزارة الدفاع في دمشق وصمة على من استدعاه. والمطلوب عزل هذه المجموعة عن محيطها الدرزي، من غير شيطنة الدروز أو ربطهم بها. هذه مسألة صعبة بعد أحداث السويداء، لكنها ضرورية لتبقى سوريا موحدة في وجه العدوان.
وفي المثال الإيراني عبرة. فحين تعرضت إيران للعدوان انتعشت الوطنية الإيرانية، رغم أن المعارضة للنظام هناك جذرية وتاريخية. وقدّمت تلك المعارضة موقفاً أقوى بكثير مما قدمته بعض القيادات الدرزية أو الكردية أو العلوية في سوريا. والمقصود هنا ليس جبهة قتالية، بل جبهة سياسية موحدة في رفض العدوان والتقسيم والاعتداء على الأرض السورية. وهذا العدوان سيزول في النهاية، كما زال الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان.
شبكة الحماية الثانية: العمق العربي والإسلامي
يأتي الأردن أولاً. فأي هجوم إسرائيلي على الجنوب السوري يمس أمن الأردن القومي مباشرة، والسويداء جزء من هذا الأمن. وقد كان الموقف الأردني حاسماً في أحداث السويداء ورافضاً لأي تدخل إسرائيلي، والجغرافيا تجعل الأردن الحاجز الطبيعي أمام هذا التدخل.
وحتى في عهد بشار الأسد، رفضت عمّان الوجود الإيراني ووجود حزب الله في سوريا، وعانت من ميليشياتهما ومن تهريب المخدرات عبر حدودها. فمن باب أولى أن ترفض ميليشيات تعمل لحساب إسرائيل على حدودها الشمالية.
ويملك الأردن أدوات لكبح إسرائيل، منها معاهدة السلام، وما بقي له من اعتبار لدى المؤسسة الإسرائيلية، وأطول خط تماس معها. والعلاقات السورية الأردنية اليوم في أفضل حالاتها، ما يؤهل الأردن ليكون حائط الصد الأول.
وتأتي تركيا ثانياً. فاتفاق الدفاع المشترك معها بالغ الأهمية، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي. وإذا ارتبط هذا الاتفاق بـ«اتفاق مكة»، صارت تركيا وباكستان والسعودية جزءاً من الشبكة نفسها. نحن إذن أمام شبكة حماية تمتد من عمّان إلى أنقرة وإسلام آباد والرياض والخليج.
وينبغي تحصين هذه الشبكة من الاستدراج، حتى لا تُستخدم ذريعة لجرّ أنقرة إلى صدام مباشر، أو لتصوير سوريا ساحة نفوذ تركي.
وفي هذه الشبكة يبرز الموقف القطري، فقد كانت اللهجة القطرية تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا الأوضح والأقوى منذ بدايتها. أما الإمارات، التي تضعها خريطة نتنياهو في موقع الحليف، فموقفها العلني دعم الحكم الجديد في دمشق. وعليها أن توظف هذه العلاقة التحالفية مع إسرائيل لوقف العدوان، فاستقرار سوريا مصلحة إماراتية أيضاً.
وتبقى واشنطن حلقة لا غنى عنها. والمطلوب دفع ترامب إلى الضغط على نتنياهو، والبناء على تحذيرات المبعوث توم باراك من الضربات الإسرائيلية، وعلى مقترحه لآلية ثلاثية مع تركيا وإسرائيل.
ولكل حلقة من هذه الحلقات كلفتها وحدودها. الأردن مقيّد بمعاهدة السلام، وتركيا لها أجندتها في الشمال، والإمارات شريك لإسرائيل في الخريطة نفسها، وواشنطن لم تُظهر حتى الآن استعداداً لفرض كلفة على حليفها. لذلك لا يصح الرهان على حلقة واحدة.
المطلوب تشابك يجعل الاعتداء على سوريا مكلفاً على أكثر من صعيد في آن واحد. وشرط نجاح هذا التشابك ألا يُقدَّم اصطفافاً مذهبياً يمنح خريطة نتنياهو مصداقية بأثر رجعي، وأن يبدو دفاعياً بقدر ما تبدو العقيدة الإسرائيلية هجومية.
وهم النموذج الغزّي
سوريا لا تعتدي على إسرائيل ولا على أحد. إنها تحاول كفّ الأذى عن نفسها، وبناء دولتها، والتفرغ للتحديات الهائلة التي تواجهها. وما لا يدركه الإسرائيليون أنهم يعتمدون على نموذج غزة، مع أن غزة نفسها تثبت حدود قوتهم. فبعد حرب الإبادة كلها، ما زالت إسرائيل تتحدث عن حكم حماس.
والفارق كبير بين الحالتين. فالحكم في دمشق يحظى باعتراف دولي ودعم إقليمي واسع، بخلاف حكم حماس. فإذا كانت حماس ما زالت تسيطر على جيب محاصر مثل غزة رغم كل ما جرى، فكيف تفرض إسرائيل إرادتها على بلد بحجم سوريا؟ وهو بلد يحكمه نظام يملك عقيدة قتالية وخبرة حرب لا تقلان عما راكمته حماس، ويحظى في الوقت نفسه بغطاء إقليمي ودولي.
لا يوجد ما يثبت أن هجوماً واسعاً قد تقرر، أو أن خطة نهائية لتقسيم سوريا قد حُسمت. لكن الخطر العملي قائم، وهو أن تُستخدم الفوضى المحلية لإضعاف الدولة، ثم يُستثمر ضعفها لتوسيع الحركة العسكرية الإسرائيلية. سوريا لا تريد الحرب، وتبدأ حمايتها بالتماسك الداخلي ونسج التحالفات وانتزاع الضمانات. لكن إذا فُرضت عليها الحرب، فستكون كارثة استراتيجية على إسرائيل.
