حروب الانتخابات
عندما قامت الديمقراطية الغربية على وقع رسم لها في أثينا ثم المجتمع الإغريقي، وبعدها التمدد الروماني عبر كافة حوض البحر المتوسط، كانت الحروب هي عناوين هذه الديمقراطية، التي تعني “حكم الشعب”: كان السيناتورات يمثلون الشعب، وكان الإمبراطور القيصر أو الملك هو القائد الأعلى للجيوش، وهو المنازع الأول في الحرب والممثل للديمقراطية، حتى ولو كان ممثلو الشعب مجرد سادة يدعمون ويساندون القيصر والإمبراطور أحيانا باسم “الجمهورية”، وفي أحيان كثيرة، مجرد دمى ثرثرة في المجلس، ففي كل الحالات كانت قيادة الجيوش في يد الإمبراطور وقائده العسكري. هذه قاعدة، بنت عليها أوروبا في ما بعد نظامها عبر الانتخابات العامة، التي تُفرز ممثلين للشعب عبر الأحزاب السياسية.
خلاصة القول، أن المحرِّك الرئيسي لكل “الديمقراطيات” هي التمسك بالحكم والتوسع عبر شن الحروب والاحتلال والاستعمار، وبكل الأساليب: نهب، حرق، تسوية مدن بالأرض وأسر القيادات وأبنائهم وتربيتهم على النحو الذي يسمح لهم بتدميرهم وجعلهم في ما بعد “ملوكا” على بلدانهم المحتلة تحت تاج الإمبراطورية الغازية ورايتها. في كل الحالات، لم تكن “الديمقراطية”، أداة لتحقيق حلم الشعوب على نحو عادل ومتساو، بل كانت دوما تبني جدرانا من الإسمنت والخرسانة بين الشعوب ككل وبين شعب البلد الواحد؛ ففي روما، وفي الحضارة الإغريقية، كان نظام العبودية هو النظام السياسي والاقتصادي السائد، العبد لم يكن يملك حتى نفسه، فمالكُه وسيده، من حقه أن يقتله أو يبيعه أو يعذبه بكل الأشكال تماما كأيِّ بضاعة تباع وتشترى وتُتلف وتُكسر كونها ملكا لصاحبها بالكامل. التاريخ يشير إلى كثير من الحوادث والثورات التي قامت ضد هذا النظام، نظام “النبلاء الإمبراطوريين”، وما نتج عنه من إبادة وتقتيل شنيع لكل متمرد ثائر، ومنه ثورة “سبارتاكوس” في روما، وغيرها من محاولات التمرد. هذا النظام، في أواخر العهد الروماني، تحوَّل إلى عبء اقتصادي وسياسي وعسكري مع توسع الاحتلال الروماني وتمدُّده إلى ما وراء روما والأناضول، إلى أن أصبح حوض البحر المتوسط كله تحت سيطرة هذه “الديمقراطية” الجمهورية/ القيصرية.
ليس غريبا اليوم، أن نرى هذا الإرث ينتشر على النحو الذي انتشر عبره الأسلاف، وتتحول الديمقراطية، إلى “باطل أريد به حق”، ويتحول الشعب إلى كتل ثلاث: أقلية تعيش على الثراء الفاحش، بكل ما تعنيه كلمة “فحش”، مالي وأخلاقي، وأغلبية دون متوسط العيش، تكاد تلتقي مع طبقة العبيد في الوضع المزري اقتصاديا، حتى ولو كانت تنعم أحيانا بلقب “مواطن”، هذا الذي اندثر بعد ذلك إلى غاية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789م، إذ أعيد أحياء هذا اللقب: “مواطن”.
المواطَنة التي أنتجت الانتخابات على النحو المعروف حاليا أو يكاد، لم تكن في الواقع تختلف عن مثيلاتها في أنظمة العبودية الإغريقية والرومانية، إذ كان هذا النظام يكاد يكون نظاما اقتصاديا عالميا طوال قرون، بل لآلاف السنين وفي جميع أنحاء العالم.نأن
الديمقراطية الغربية، كانت دوما تكريسا للنخبوية السياسية، وتحييدا للشعب في نظام الحكم: تحكم باسمه، لا لأجله، وكل الحروب اليوم تقوم على قاعدة دعم انتخابي: استخدام الشعب عبر الآلة الدعائية والتباهي بالقوة والعظمة من أجل كسب أصوات تدعم مشاريع ثروة أصحاب السيادة وأرباب المال والسلاح وشركات الدعم اللوجستي للحروب، وتوابعها: صارت الحروب هي المغذي لجيوب النبلاء الجدد من رجال المال والأعمال والمال السياسي، وصارت الشعوب مطيَّة لهؤلاء، يسيرون أحيانا خلف أحلام وأوهام وأطماع لن يحققوها، فيما يحققها المحرِّضون الأثرياء، عبر صبِّ الزيت على النار، كحمالة الحطب، وإشعال العالم حروبا وحرائق.