حكايات أخرى لسور الصين العظيم!
مبعوثة الشروق إلى بكين: إيمان كيموش
منذ وصولنا إلى بكين نهاية أوت الماضي، ونحن نسمع عن سور الصين العظيم، أحد عجائب الدنيا السبع، خلال المحاضرات التي نحضرها بجامعة رينمين ضمن برنامج التبادل الصحفي لوزارة الخارجية الصينية، وفي أحاديث الصينيين عن تاريخ بلادهم، كنا نراه في الصور ونسمع عن حكايته، لكن شيئا واحدا كان ينقصنا، أن نقف أمامه بأنفسنا.
في صباح الإثنين 12 أكتوبر، انطلقنا من جامعة رينمين نحو جويونغوان، أحد الممرات التاريخية المهمة للسور شمال غرب العاصمة، وبعد نحو ساعة، استقبلتنا الجبال ومشهد الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم لاكتشاف هذا المعلم التاريخي، كان الضباب الخفيف يلامس قمم الجبال، فيما تتعاقب الأبراج الحجرية فوق المرتفعات، ويصعد السور وينحدر مع تضاريسها، ولفت انتباهنا التنوع الكبير للزوار، من سياح هنود يرتدون الساري ويتوقفون لالتقاط الصور، إلى متحدثين بالإنجليزية والروسية، وزوار من إفريقيا وأمريكا وأوروبا والعالم العربي..، التقطنا صورا أولى، ثم توجهنا إلى الدرج الحجري، معتقدين أن الأمر لن يتجاوز جولة قصيرة وصورا تذكارية.

صورة للمشاركين في برنامج التبادل الصحفي لوزارة الخارجية الصينية، أكتوبر 2026. صورة: ح. م
لكن الصعود سرعان ما غيّر تصورنا، فالدرجات متفاوتة الارتفاع، وبعض المقاطع شديدة الانحدار، ما يفرض التوقف لاستعادة الأنفاس، ومع استمرار الصعود، بدأنا ندرك حجم الجهد الذي يتطلبه بلوغ الأبراج، وصعوبة التضاريس التي يعبرها السور، وهنا بدأنا نفكر في الذين بنوا هذا الصرح قبل قرون، فنحن نصعد بأحذية رياضية، ونحمل الماء، ونتوقف متى شئنا، بينما واجه العمال والجنود ظروفا قاسية لنقل الأحجار إلى المرتفعات وإنجاز بناء امتد على مسافات شاسعة، ولعل الإرادة التي شيّدت هذا الصرح قبل آلاف السنين تجد امتدادها اليوم في صعود الصين إلى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى، بفضل العمل المتواصل والطموح إلى احتلال مواقع متقدمة في التصنيفات العالمية.
ولا يعني ذلك أن كل ما يروى عن بناء السور صحيح، فالحكايات التي تقول إن جميع الذين ماتوا أثناء البناء دفنوا داخل الجدار نفسه ليست حقيقة تاريخية ثابتة، لكن المؤكد أن مراحل بنائه اعتمدت على أعداد كبيرة من العمال والجنود، وأن المشروع ارتبط بكلفة بشرية لا ينبغي تجاهلها.
ليس سور إمبراطور واحد
ومع مواصلة الصعود، أصبح واضحا أن السور لم يُبن للزينة، بل للتحكم في الممرات الجبلية ومراقبة الطرق وحماية المناطق المؤدية إلى العاصمة، فلم يكن مجرد جدار طويل، بل منظومة دفاعية ارتبط تصميمها بطبيعة الأرض والتهديدات التي واجهتها الصين عبر تاريخها.
قبل الزيارة، كنا نعرف أن السور ارتبط بإمبراطور صيني وبالحروب مع القبائل القادمة من الشمال، لكن الوقوف أمامه جعلنا نرغب في فهم حكايته بصورة أدق، فالسور لم يُبن في سنة واحدة، ولا بأمر إمبراطور واحد، أقامت ممالك صينية قديمة تحصينات متفرقة قبل توحيد البلاد، وعندما وحّد تشين شي هوانغ الصين عام 221 قبل الميلاد، بدأ ربط بعض التحصينات القائمة وإقامة خطوط دفاعية جديدة لمواجهة التهديدات الشمالية.
أما الأجزاء التي يعرفها معظم السياح اليوم، بجدرانها الحجرية وأبراجها الواضحة، فتعود في معظمها إلى مراحل لاحقة، خصوصا عهد أسرة مينغ التي حكمت الصين بين عامي 1368 و1644، وهكذا، فإن السور نتيجة أعمال امتدت قرونا، تعاقبت خلالها دول وأسر حاكمة، وتغيرت وسائل الدفاع وطبيعة الأخطار.
وفي جويونغوان، تتضح أهمية الموقع من الجبال المحيطة به، فالممرات الطبيعية محدودة، والطرق التي تعبر بينها يمكن مراقبتها من المرتفعات، لذلك كان اختيار المكان جزءا من استراتيجية دفاعية تعتمد على التضاريس، في الماضي، كانت الأبراج نقاطا للمراقبة، وكانت النار والدخان وسيلتين لنقل الإنذارات، أما اليوم، فيقف السياح في الأماكن التي ربما وقف فيها الجنود قديما، بحثا عن زاوية مناسبة لالتقاط الصور.
تغيرت وظيفة المكان وبقيت قيمته
لو ظل السور يؤدي وظيفته العسكرية القديمة، لما كنا نحن، ومعنا آلاف السياح من مختلف أنحاء العالم، نقف فوقه اليوم، فما أبقاه حاضرا هو قدرته على اكتساب معنى جديد بعد انتهاء وظيفته الأولى، في عام 1987، أدرجت اليونسكو سور الصين العظيم ضمن قائمة التراث العالمي، وفي عام 2007، اختير ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة في تصويت عالمي نظمته مبادرة خاصة.
أما طوله الإجمالي، فقد حددته السلطات الصينية بنحو 21,196 كيلومترا، وفقا لنتائج مسح أعلنتها عام 2012، ويشمل الرقم أقساما وتحصينات مختلفة تعود إلى مراحل تاريخية متعددة، ولا يعني وجود جدار واحد متصل على امتداد تلك المسافة، لكن الأرقام لا تشرح وحدها سر قدرة المكان على جذب الزوار. فعند المدخل وفي محيط الموقع، تنتشر محلات التذكارات والمنتجات التي تحمل صور السور، إلى جانب خدمات النقل والطعام والشراب والإرشاد السياحي.
فالسائح لا يشتري تذكرة الدخول فقط، بل يحتاج إلى وسيلة نقل، وقد يستعين بمرشد، أو يشتري تذكارا، أو يتناول وجبة، أو يقضي ليلة في فندق قريب. وكلما كانت الزيارة منظمة ومريحة وغنية بالمعلومات، زادت فرص إنفاقه على خدمات إضافية، وارتفعت احتمالات أن يوصي بالمكان لغيره.
هنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي للتراث
ليس المقصود أن كل يوان يدفعه السائح يذهب إلى الجهة التي تدير السور، أو أن جميع الأنشطة التجارية تستفيد بالدرجة نفسها، فالعائدات تتوزع بحسب نوع الخدمة ومكان تقديمها وطريقة تنظيم النشاط السياحي، لكن الفكرة واضحة، الموقع التاريخي يجذب الزوار، وهؤلاء يخلقون طلبا على خدمات متعددة، ما يوفر فرص عمل للمؤسسات الصغيرة والعائلات والعاملين في النقل والمطاعم والفنادق والإرشاد والحرف التقليدية.
إنها سلسلة اقتصادية تبدأ من رغبة شخص في رؤية أثر تاريخي، وقد تمتد إلى قطاعات بعيدة عن الموقع نفسه. وأثناء وجودنا هناك، لاحظنا الزوار وهم يدخلون ويخرجون، والمرشدين وهم يجمعون مجموعاتهم، وأصحاب المحلات ينتظرون من يتوقف أمام بضائعهم.
وما لفت انتباهنا أن النشاط الاقتصادي لم يُلغِ حضور التاريخ، بل إن التاريخ نفسه هو الذي جاء الناس من أجله، ومنح الخدمات المحيطة بالموقع قيمتها، غير أن استدامة هذا النشاط تتطلب صيانة المعلم، وتنظيم حركة الزوار، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية البيئة المحيطة، حتى لا تتحول كثرة الزوار إلى عبء على المكان.
فالسياحة لا تقوم على بيع التذاكر وحدها، بل على تلبية احتياجات الزائر في مختلف مراحل رحلته؛ من المعلومات والنقل قبل الدخول، إلى التوجيه والأمان والاستراحة أثناء الزيارة، وصولا إلى الطعام والتذكارات بعدها.
ويمكن لكل خدمة أن تخلق فرصة اقتصادية إذا قُدمت بصورة مناسبة، لكن هناك فرقا بين تلبية احتياجات الزوار واستغلالهم؛ فالأسعار ينبغي أن تكون معقولة، والخدمات منظمة، والأهم أن ينعكس جزء من النشاط الاقتصادي على المجتمع المحلي، من خلال فرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة وتحسين الخدمات، وهذا ما يجعل السياحة إدارة لتجربة متكاملة تبدأ قبل وصول الزائر إلى الموقع، ولا تنتهي بالضرورة حين يغادره.
تجربة ملهمة للجزائر
في أثناء نزولنا، بدأت الجزائر تحضر في أذهاننا، تذكرنا قصبة الجزائر وأزقتها التي تختزن حكايات أجيال، وتيمقاد بآثارها الرومانية، وقلعة بني حماد، والطاسيلي ناجر بما يحمله من رسوم صخرية ومناظر طبيعية استثنائية.

سور الصين العظيم. صورة: إيمان كيموش/الشروق.
فالجزائر بلد غني بالتاريخ، ولا تنقصه المواقع التي تستحق الزيارة، لكن امتلاك التراث شيء، والقدرة على تقديمه للناس وتحويله إلى تجربة سياحية متكاملة شيء آخر، في الصين، رأينا كيف يمكن لمعلم تاريخي أن يكون جزءا من رحلة منظمة، يعرف فيها الزائر أين يدخل، وما الذي يشاهده، وما الذي ينبغي أن يعرفه عن المكان. كما رأينا أن قيمة الموقع تمتد إلى الخدمات المحيطة به.
ولا يعني ذلك أن كل شيء مثالي، أو أن الصين لا تواجه تحديات في حماية آثارها وإدارة السياحة، لكن الزيارة دفعتنا إلى التفكير في كيفية الاستفادة من مواقعنا التاريخية، كم من زائر يصل إلى موقع أثري في الجزائر ويغادره دون معلومات كافية عن أهميته؟ وكم من موقع يحتاج إلى مسارات أوضح، أو خدمات أفضل، أو مرشدين يقدمون تاريخه بلغات مختلفة؟ وكم من حرفة تقليدية يمكن أن تجد سوقا جديدة لو ربطت بمسارات الزيارة؟ فالقصبة، مثلا، ليست مجرد أزقة وبيوت قديمة، بل فضاء تاريخي يستحق أن يكتشف الزائر تفاصيله، من طريقة بناء البيوت إلى طبيعة الحياة داخلها وعلاقتها بالبحر، والتحولات التي عرفتها المدينة عبر القرون.
ويمكن أن تتحول الجولة فيها إلى تجربة ثقافية حقيقية بفضل المرشدين المتمكنين والمعلومات الدقيقة والفضاءات التي تعرض الحرف المحلية، إلى جانب المقاهي والمطاعم التي تحترم الطابع المعماري للمكان.
لكن ذلك لا يعني تحويل القصبة إلى سوق تجارية، أو التعامل مع سكانها باعتبارهم جزءا من مشهد سياحي، فهي حي يعيش فيه الناس، وحمايتها تعني المحافظة على مبانيها وذاكرتها، وتحسين ظروف الحياة فيه ودعم سكانه.
وينطبق الأمر نفسه على تيمقاد والطاسيلي وبقية المواقع التاريخية، مع مراعاة خصوصية كل موقع واحتياجاته. فبعضها يحتاج إلى حماية صارمة، وبعضها يستفيد من تطوير الخدمات ومسارات الزيارة، فيما تتطلب مواقع أخرى تحسين النقل والإيواء والتعريف بها، المهم ألا يبقى التراث معزولا عن محيطه، وألا يصبح الاستثمار فيه سببا في الإضرار به.
من سور الصين العظيم إلى “الحزام والطريق”
خلال الزيارة، عاد إلى أذهاننا موضوع كنا نسمع عنه في المحاضرات ببكين، وهو مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013، بدت المقارنة مغرية، فهذا السور الذي أقيمت أجزاء منه لحماية الممرات والحدود، أصبحت الصين تقدمه للعالم بوصفه أحد أبرز رموزها التاريخية، فيما تعمل اليوم على تعزيز روابطها الاقتصادية مع بلدان أخرى عبر الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومشروعات البنية التحتية.
ورغم اختلاف السياقات والأهداف، وارتباط المبادرة بمصالح اقتصادية واستراتيجية تتباين نتائجها من بلد إلى آخر، فإن المقارنة تبرز حقيقة مهمة، أدوات القوة تتغير بتغير الزمن.
ففي الماضي، كان تأمين الممر الجبلي يعني إقامة التحصينات ومراقبة الطرق، أما اليوم، فأصبحت القدرة على نقل السلع وربط الأسواق والوصول إلى الموانئ ومراكز الإنتاج عاملا أساسيا في المنافسة الاقتصادية.

من سور الصين العظيم. صورة: إيمان كيموش/الشروق.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن هذا الموضوع ليس بعيدا عن واقعها، فهي تملك موقعا جغرافيا مهما، وتراثا متنوعا، وامتدادا إفريقيا ومتوسطيا. لكن الاستفادة من هذه المزايا تحتاج إلى مشروعات مدروسة وخدمات جيدة وقدرة على تحويل الإمكانات إلى نشاط اقتصادي مستدام.
ولعل زيارة السور جعلتنا نفكر في أن التراث نفسه يمكن أن يكون جزءا من هذه الرؤية، ليس لأنه سيحل وحده مشكلات التنمية، بل لأنه قادر على خلق فرص في قطاعات متعددة، ومنح المناطق التي تحتضنه نشاطا اقتصاديا وثقافيا إضافيا.
حين غادرنا جويونغوان، كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف، بعد جولة استغرقت أزيد من ساعتين بين الصعود والنزول، تبادلنا التعليقات حول صعوبة الدرج، ثم التقطنا صورة جماعية أخيرة مع مرشدنا واستعددنا للعودة، كانت زيارة قصيرة، لكنها تركت لدينا انطباعات عميقة، فسور الصين العظيم لم يعد بالنسبة إلينا مجرد بناء قديم نجح الصينيون في المحافظة عليه، بل مكان اجتمعت فيه طبقات متعددة من التاريخ، واكتسب وظيفة جديدة بوصفه معلما ثقافيا وسياحيا، ومصدرا للنشاط الاقتصادي، ورمزا تتعرف من خلاله شعوب العالم على الصين.