حملة وحصاد
يأتي انطلاق الحملة الانتخابية لرئاسيات 7 سبتمبر، في سياق محموم بشأن الصراعات الدولية التي ترتبط بها الجزائر عضويا، ومنها الوضع في الجنوب والغرب والقضية الفلسطينية والعلاقات المتوترة مع فرنسا شمالا.
قضايا كلها مفصلية لأي رئيس مقبل كان، بل وتصب في الأمن الاستراتيجي للدولة ولكيان الأمة، التي تناضل من أجل استعادة سيادتها كاملة واستقلالها المطلق، اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، في وقت باتت فيه القوى العظمى تتصارع على الإرث التاريخي في العالم وفي القارة الإفريقية أساسا.
لم يكن الأمر عبثا، أن كثفت الجزائر تحرُّكاتها الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والأمنية مع النيجر، لرأب الصّدع الناجم عن الانقلاب العسكري هناك مؤخرا، والتوجه والبعد الذي أخذه هذا التحول على صعيد العلاقات الدولية بين دول الجوار ومنها الجزائر، وأيضا مع دول الساحل الإفريقي ومنظمة “الإيكواس”، ثم مع القوى الأجنبية ومنها فرنسا والولايات المتحدة، التي أجبِرت على إخلاء قواعدها العسكرية من هناك، ثم التحول الجديد، رفقة مالي وبوركينا فاسو، بشأن الخروج من “الإيكواس” وتشكيل اتحاد فدرالي للدول الثلاث.
كل هذا على تخوم الجزائر الجنوبية وعمقها القاري في إفريقيا، وكل هذا في ظل توتر العلاقات مع فرنسا، بعد الانعطاف السافر لدبلوماسيتها، باتجاه دعم صريح للمحتلّ المغربي بشأن قضية الصحراء الغربية المحتلة.
الحراك الجزائري باتجاه الجنوب، وبالذات، نحو الجارة الجنوبية الشرقية، يأتي أيضا ضمن تحركات مريبة في الجنوب الليبي لخليفة حفتر، وبداية توتر الأوضاع في هذا البلد الجار، سياسيا وأمنيا.
مع النيجر، حدثت تطوراتٌ لافتة وسريعة، لكن بالتأكيد بجهود مضنية جزائرية سابقة، من أجل عودة التنسيق بين البلدين، لاسيما في المجال الاقتصادي وبالذات بشأن مشروع أنبوب الغاز القاري الممتد من جنوب نيجيريا على المحيط الهادي، مرورا عبر النيجر وحقولها في الشمال، التي تطورها شركة سوناطراك، ثم الأراضي الجزائرية، وصولا إلى أوروبا. تحركاتٌ دبلوماسية أفضت إلى زيارة رئيس وزراء النيجر للجزائر رفقة وفد كبير، لتنشيط العلاقات الجزائرية مع النيجر من جديد على أسس اقتصادية وأمن مشترك للمنطقة ولدول الساحل وللقارة برمَّتها، دفاعا عن استقلال القارة، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، وإبعادها عن شبح الفقر والتبعية للقوى العظمى القديمة والجديدة.
هذا الجهد، كان لافتا لرئيس الجمهورية، المرشح المستقل للعهدة الثانية، ضمن تعهداته السابقة في العمل على إقرار سلام شامل وعادل في المنطقة وفي الشرق الأوسط والعالم، وعلى رأس ذلك، القضية الفلسطينية والصحراء الغربية.
الحملة الانتخابية، وقد انطلقت في هذا الظرف، والأجواء الساخنة بين روسيا والغرب في أوكرانيا، والوضع غير الإنساني والكارثي المريع في غزة والمجازر الصهيونية غير المتناهية، التي رافقتها سلسلة من الاغتيالات المكشوفة، متبناة رسميا من طرف العدو، أو غير متبناة رسميا، لكن العدو لا ينكرها، ومنها اغتيال فؤاد شكر، القائد البارز في حزب الله اللبناني، ثم اغتيال إسماعيل هنية في طهران.. كل هذا يجري في ظل تحركات جزائرية في مجلس الأمن الدولي وعلى مستوى الممثليات الدبلوماسية الجزائرية، ومنها الممثلية الجزائرية الدائمة في الأمم المتحدة وفي عواصم الدول العظمى ذات الصلة بالكيان الصهيوني وجرائمه في غزة والضفة.
الحملة الانتخابية لن تجمِّد هذه الجهود الدولية، ولا الجهود الداخلية في تأمين شروط الانتخابات والعمل على رفع الغبن عن العائلات التي تعاني الأمرين: غلاء المعيشة رغم كل جهود ترميم القدرة الشرائية للمواطن التي تدهورت منذ جائحة كورونا.. وضائقة التزوّد بماء الشرب، عبر الإسراع في الإنجازات الضخمة والمتنوّعة الموزَّعة على طول مناطق الساحل، مع توزيع ما تبقى من إنجازات سكنية.