-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

درسٌ من إيرفي بورج لـ “دواعش” تدريس العامية

بوعلام رمضاني
  • 1472
  • 0
درسٌ من إيرفي بورج لـ “دواعش” تدريس العامية

الحديث عن علاقة اللغة بالهوية وبالفكر بوجه عام كان ومازال وسيبقى رهانا إيديولوجيا إلى يوم الدين، ونعتقد ذلك بعيدا عن كل شطط عقائدي أو تشنج ثقافي مرادف لوطنية شوفينية كما يمكن أن يفهم من مثقفين فرنكفونيين عرب وجزائريين كثر يريدون التخفيف من الإشكالية ومحوها من قائمة التحديات الإيديولوجية التي تعصف بالمجتمعات الحديثة في ظل ذوبان الحدود والصراع بين القوى الكبرى المهيمنة على العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

 تزداد الإشكالية صدقية وحضورا حينما تطرح على لسان أحد أهم وأكبر الإعلاميين والمثقفين الفرنسيين الذين رافقوا استقلال الجزائر وعرفوا مسؤوليها ومثقفيها الكبار والصغار وعملوا مع قادتها لعدة أعوام ودعموا شعاراتها الاشتراكية المزيفة دون أدنى تردد أو وخز ضمير.. أرفي بورج الذي ترأس القنوات التلفزيونية والمجلس الأعلى للقطاع السمعي البصري لمدة طويلة، ندد في حديثه إلى صحيفةلوفيغاروـ الوطنية إلى حد الشوفينية واليمينية الأولى من حيث المبيعات ـ برموز النخب الفرنسية التي استسلمت أمام الأمر الأنجلوساكسوني اللغوي الواقع وعلى رأسها وزيرة التعليم فيوراسو التي دعت إلى التدريس الجامعي باللغة الإنجليزية في زمن العولمة بهدف تشجيع طلبة العالم على المجيء للتعلم في فرنسا، بعد تهجّمه على النخب التغريبية المنتشرة في الساحات الإعلامية والثقافية والسياسية والإدارية والاقتصادية التي ضحت باللغة الفرنسية، وأخرجتها من تاريخ الجمهورية ومن دستور البلاد التي يعتبرها لغة وطنية على حد تعبيره، أبدى رفضه لاستعمال كلمات إنجليزية في شركة السكك الحديدية وفي وسائل الإعلام وأثنى على شركة ميشلان التي توظف مترجمين في الاجتماعات الدولية للحديث بلغة موليير ومونتسكيو وبودلير تمثيلا لسيادة وطنية فرنسية.

موقف بورجي من المسألة ذكرني وأنا أقرأ حديثه  إلى الصحيفة الفرنسية، بموقف الراحل  كمال عياش مدير جريدةالشعبالذي تشرفت بالعمل تحت إدارته ومرافقته في باريس حتى وفاته، وهو الموقف الذي عزز مواقف ومسار رجل كان يتحدث اللغتين العربية والفرنسية منفتحا فكريا لكنه كان حازما في المبادئ، ورفضه تحدّث السيد حمروش رئيس الحكومة السابق في عز قوته باللغة الفرنسية ومغادرته قاعة الاجتماع، يذكرني من جهة أخرى بموقف الرئيس السابق جاك شيراك الذي غادر قاعة الاجتماع في بروكسل احتجاجا على تحدث شخصية فرنسية باللغة الإنجليزية.

بورج الذي تباكى على اللغة الفرنسية، استطرد مدافعا عن مبدئه داعيا إلى استلهام تجربة حكام هايتي والكيبك، ورفض قول بعض المثقفين الفرنسيين بأن لغتهم قد أصبحت من الماضي وأنه يجب مجاراة الأمر الواقع. اللافت في موقفه المبدئي القابل للنقاش، عدم تأكيده أن سيطرة اللغة الإنجليزية تمثل أيضا سيطرة اقتصادية وتكنولوجية، ولا أدل على ذلك من فرض أصحابها كل أشكال الخطاب الرقمي الناطق بلغة العم سام رغم أنف أجناس العالم الأخرى.

رغم هذه الحقيقة بقي بورج مصرّا على محاربة الأمر  اللغوي الأنجلوساكسوني الواقع بكل السبل الممكنة، ودعا إلى عدم الاستسلام أمام الآلة اللغوية المهمينة والطاحنة والآتية على الأخضر واليابس، ونوّه بالباحث والكاتب أنطوان كومبانيون الذي تحدّى وزيرة التعليم العالي ورفض دعوتها إلى التدريس بلغة شكسبير دون أن يعني ذلك رفض هذا الأخير تعليم اللغة الإنجليزية  ككل اللغات الأجنبية من منطلق معرفي.

 بورج الذي تأسف في بداية الحديث لواقع بلاده اللغوي، أنهى حديثه داعيا إلى ضرورة سيطرة تلاميذ وطلبة فرنسا أولا وقبل كل شيء على اللغة الفرنسية ثم تعلم الإنجليزية، وأبدى في النهاية تفاؤلا غير مسبوق رغم الخطر الذي يتهدد لغة وطنه داخليا، وارتكز لتبرير تفاؤله على إحصائية شكّلت عنوان حديث الصحيفة الفرنسية المذكورة .

بورج المتمرس إيديولوجيا والداهية استراتيجيا والمناور فكريا، دعا أيضا إلى تعليم الطلبة الأجانب اللغة الفرنسية دعما لجهود حكام الكثير من البلدان الإفريقية الذين سينقذون اللغة الفرنسية على حد تعبيره. هؤلاء الأجانب الذين سيشكّلون ما بين 600 مليون ومليار نسمة عام 2050 سيمثلون 90 في المائة من الأفارقة، وكتحصيل حاصل نسبة كبيرة من الدول المغاربية ومن بينها الجزائر التيكرّمهابقوله: “هناك 25 صحيفة تصدر في الجزائر يوميا باللغة الفرنسية“. في الأخيركرّمبورج كاتب ياسين صاحب مقولةاللغة الفرنسية غنيمة حربوبورقيبة وحماني ديوري وسيهانوك الذين قال إنهمناضلوا من أجل استقلال بلدانهم ومن أجل اللغة الفرنسية أيضا“.

وإذا كان من الممكن الدفاع عن استقلال بلده بلغة العدو السابق كـغنيمة حربوهذا ما حدث في الجزائر، فليس من المقبول تكريسها على حساب لغة الوطن كما جاء ذلك من خلال موقف بورج خلافا لما فعله ياسمينة خضرا في المركز الثقافي الجزائري بباريس ومسؤولون في أعلى قمة السلطة بجزائرنا الحبيبة رغم أنف عز الدين ميهوبي المسؤول السابق عن المجلس الأعلى للغة العربية ووزير الثقافة حاليا. انطلاقا من كل ما جاء على لسان المثقف والإعلامي الفرنسي الشهير الذي عمل مستشارا لبن بلة، يمكن القول إن بورج أو مالك حداد فرنسا قد بعث برسالة إلى بوتفليقة الذي تحدّث يوما ما باللغة الفرنسية إلى شعبه وإلى خضرا الذي تحدث إلى قناة تلفزيونية خاصة كمرشح للانتخابات الرئاسية باللغة العربية التي حاربها في باريس على بعد كيلومترات من السفارة الجزائرية. رسالتي ليست بالضرورة ضد بوتفليقة كما يمكن أن يُفهم ولكن ضد كل الحداثيين من المثقفين المفرنسين والمعربين التقدميين الذين يعتبرون اللغة العربية من الماضي كالإسلام الذي نزل ناطقاً بها ويدين به الشعب الذي يتحدثون باسمه، وهي ضد المثقفين المعربين الخائفين على العربية باسم وطنية مفرطة والرافضين تعلم اللغات الأجنبية بما فيها الفرنسية باسم خطاب معاداة لغة المستعمر القديم الذي لم يعد صالحا للتغطية على تعايشهم مع أعدائهم اللغويين.

بورج الذي أشاد بالصحف الجزائرية المفرنسة، تجاهل حقيقة سيطرة الصحف المعربة في الجزائر على مثيلاتها المفرنسة لأنه يعرف أنها غير مؤثرة سياسيا وثقافيا لرداءة معظمها وعدم انسجام معظم مسؤوليها مع خطابهم مقارنة بزملائهم المفرنسين وهذه رسالة بورجي مبطنة أخرى. “دواعشاللغة العامية الذين خرجوا من معاطف الفرنكوفيليين في زمن بن غبريط تعدّ تحصيل حاصل لصراع أجنحة أعمق وأقوى من اللغة وتصب في أخطاء استراتيجية قاتلة اشترك فيها الكثير من المعربين والمفرنسين.

هوامش:

*في حديثه،كرّمبورج الجزائر بالقول: “هناك 25 صحيفة تصدر في الجزائر يوميا باللغة الفرنسية“. كماكرّمكاتب ياسين صاحب مقولةاللغة الفرنسية غنيمة حربوبورقيبة وحماني ديوري وسيهانوك الذين قال إنهمناضلوا من أجل استقلال بلدانهم ومن أجل اللغة الفرنسية أيضا“.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • أحمد

    شكرا لك أستاذ ... أحترمك من خلال ما تكتب

  • بدون اسم

    هد الله الأمة لدينها الحنيف،آآآآآآآآآآآمييييييييييييييييييييييييين.