دعم رئاسي غير مسبوق ونستهدف مليون ونصف المليون كشاف
يتحدث القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية، عبد الرحمان حمزاوي، في هذا الحوار الذي خص به جريدة الشروق، عن آفاق وتحديات الكشافة الإسلامية الجزائرية، في استقطاب الفتية في عصر الذكاء الاصطناعي وهوس الشاشات، والتطلع إلى تحقيق مكاسب جديدة لدعم الأفواج وتأطير القادة الشباب للعب أدوار متقدمة في المجتمع، ورفع عدد المنخرطين إلى مليون ونصف مليون كشاف، تزامنا مع الاحتفال بمئوية الكشافة في الجزائر، وإطلاق العديد من المبادرات، على غرار المشاركة في جمع المساعدات لغزة وإثراء قانون الجمعيات وتطوير العمل التضامني وجعل الكشافة محضنا تربويا آمنا لحماية جيل اليوم من الانحراف والتشتت..
بعد قرابة 90 سنة من تأسيس الكشافة الإسلامية الجزائرية، لا تزال هذه الحركة تحافظ على استمرارها وهي محل ثقة لدى الشعب والسلطات الرسمية.. ما السر في ذلك؟ وما الذي يميزها عن باقي الجمعيات؟
في البداية، أشكر “الشروق” التي سلطت الضوء على ما تقوم به الكشافة الإسلامية الجزائرية من أدوار مهمة بصفتها حركة عتيقة، وتملك رصيدا تاريخيا حافلا بالبطولات، فالكشافة في العالم استمرت لأزيد من قرن كأكبر حركة شبانية استطاعت أن تواصل دورها طيلة هذه المدة في جل دول العالم، لأنها تعتمد على تنشئة الأطفال والشباب، بحسب احتياجاتهم وميولاتهم في كل مرحلة سنية، وهي رافد مهم من رافد التربية، تكمل دور الأسرة والمدرسة، وفي الجزائر تكمن قيمة هذه الحركة بصفتها القاطرة والمهد الذي نشأ فيه قادة الثورة التحريرية، وواصلت بعد الاستقلال دورها في تنشئة وتكوين شباب وإطارات يسهرون على تأطير المجتمع وخدمة الوطن، واليوم تعمل الكشافة على بناء شخصية متكاملة لتقديم الأفضل، وهي تساهم في تكوين الشباب والأطفال ليكون لهم دور فعال في خدمة المجتمع في العديد من المجالات..
في عصر الذكاء الاصطناعي وهيمنة مواقع التواصل على عقول الجيل الصاعد، ما التحديات التربوية التي تواجه الكشافة في استقطاب الأطفال وتأطيرهم؟
هناك اليوم بدائل كثيرة للأطفال والشباب، وفضاءات أخرى من غير الكشافة، إلى جانب الوسائل التكنولوجية الحديثة ومواقع التوصل الاجتماعي التي باتت تجذب هذه الشريحة وتأخذ جل وقتهم، الكشافة بحكم أنها عضو في الحركة الكشفية العربية والعالمية، فهي تواكب المستجدات والتحديات التربوية وتأخذ من التجارب من خلال حضورها للملتقيات التكوينية والندوات والمؤتمرات الإقليمية والعالمية لمواجهة التحديات والأخذ بالتجارب الناجحة وتكوين القيادات لمواجهة هذه المستجدات حتى تبقى الحركة الكشفية تجذب الأطفال والشباب بقدرتها على التجدد لمواكبة التطورات، واستغلال هذه الوسائط الحديثة في التربية وإدماجها في المناهج التربية الحديثة..
الكثير من المواضيع التي كانت طابوها في الزمن الماضي بات الطفل يتعلمها من الشارع أو الإنترنت في سن مبكرة وفي كثير من الأحيان بطريقة مشوهة، هل هناك تحديث للمناهج الكشفية التربوية لتواكب احتياجات وطبيعة تفكير جيل اليوم؟
عندنا لجنة خاصة بالمناهج تجتمع دوريا لمراجعة البرامج، آخر تحديث كان عام 2023، حين أتممنا مراجعة كل مناهج وبرامج جميع المراحل، وكان ذلك ثمرة عمل 4 سنوات، حيث تم التطرق لكل المستجدات التربوية من خلال الاحتكاك والتنسيق مع الجهات الرسمية، على غرار وزارة التربية والمجلس الأعلى للشباب والخبراء للوقوف على متطلبات كل مرحلة عمرية، بالإضافة إلى تأهيل المربين، لأن الفوج الكشفي هو النواة والخلية الأساسية للكشافة، حيث يتم تزويد القادة بالبرامج والمناهج لقياس مؤشرات تربية الطفل والمتغيرات التي طرأت على سلوكه كل سنة ومتابعة انتقاله من مرحلة إلى أخرى عبر عملية تقييم مستمرة حيث تخضع العملية التربوية دائما لمراجعة ومتابعة لتحسين جودة ما يتعلمه الأطفال في الحصص الكشفية.
هناك من يختصر النشاط الكشفي في رفع العلم في المناسبات والقيام بمسيرات استعراضية..؟
هذا التصور أشبه بجبل الجليد في البحر، حيث تظهر القمة صغيرة ولكن ما تحت الماء أكبر، لأن ما تقوم به الكشافة في المناسبات هو وسيلة لترسيخ القيم الدينية والوطنية لدى الكشافين، بالإضافة إلى استفادة الأطفال من عدد كبير من الأنشطة الهادفة طيلة أيام السنة، على غرار المسابقات والرحلات والمخيمات وتنظيم أعمال تطوعية وريادية في المجتمع، لتحقيق النجاعة التربوية، وهذا ما يجعل العائلة ترى النتائج التربوية على أبنائها الكشافين من خلال تميزهم في الدراسة وحسن خلقهم وأفكارهم الإبداعية وشعورهم بالمسؤولية وروح المبادرة..
ما واقع تأطير الكشافة للجانب النسوي خاصة في مناطق الظل حيث تفتقد الفتيات فضاءات الإبداع والتكوين؟
الكشافة مثلها مثل المدرسة أتاحت الفرصة لكلا الجنسين، في سنوات سابقة كان عدد الملتحقات بالكشافة قليلا، لأسباب عديدة، وهذا ما دفعنا إلى اعتماد منهجية جديدة لتشجيع الفتيات على الانخراط في الأفواج الكشفية، بتكوين المؤطرات والقائدات، وهذا ما نجحنا فيه بزيادة سنوية في عدد المنخرطات بـ 25 بالمائة، وتحولت ولاية أدرار إلى الولاية الأولى وطنيا في عدد المنتسبات للكشافة، لأن تكوين وتأطير الفتيات يساهم مستقبلا في استقرار المجتمع وإعداد أمهات ومربيات مسؤولات وواعيات..
الكثير من الأفواج تعاني من قلة التمويل وغياب المقرات الكشفية ما جعلها تنشط في المدارس.. هل هنالك استراتيجية لحل هذا المشكل؟
نقص المقرات والإعانات، تعتبر من أكثر التحديات التي تعيق توسع وانتشار النشاط الكشفي، وذلك يرجع إلى قناعة بعض المسؤولين المحليين الذين يعتبرون دعم الأفواج الكشفية أمرا اختياريا وأحيانا غير أساسي، فنرى الأفواج الكشفية التي تنال الدعم تنشط بشكل أفضل والعكس صحيح، وبالنسبة للمقرات، نحن نشتغل مع عدة جهات على غرار وزارة التربية ووزارة الشباب لفتح المدارس ونوادي الشباب للأفواج الكشفية التي تعاني من ضيق المقرات أو انعدامها.
ولإيجاد حل جذري لهذا المشكل، اقترحنا تعديل قانون المنفعة العمومية، الذي استفادت منه الكشافة، بإدراج مواد جديدة تلزم البلديات والولايات برصد دعم قار وثابت للأفواج الكشفية وتسهيل الحصول على مقرات، لأن الاعتراف بفضل الكشافة لا يكفي، بل لابد من قرارات فوقية لضمان دعم حقيقي وملموس للكشافة على مستوى الأفواج، وترسيم منح امتيازات أكبر للقيادة الكشفية لتمكينهم من التفرغ للعمل التطوعي.
أغلب الأحياء السكنية الجديدة تفتقد فضاءات تأطير الأطفال والشباب، هل هناك مبادرة لتشجيع فتح الأفواج الكشفية في هذه الأحياء؟
نحن نشتغل على أن يتم تأطير هذه العملية على المستوى المركزي، لأنه توجد الكثير من المبادرات المحلية لفتح أفواج على مستوى الأحياء الجديدة، والقيادة العامة للكشافة تتلقى الكثير من الطلبات، لأن الحي الجديد كما أنه بحاجة إلى مدرسة ومسجد ومركز صحي، هو بحاجة لفضاء تربوي لتأطير الأطفال، وهنا يكمن دور الكشافة التي تعمل على تذليل العراقيل لفتح أكبر نسبة من الأفواج الكشفية، والجديد في العملية، أن القيادة العامة خصصت أرضية رقمية، لتسهيل فتح الأفواج، وتسير العملية بمرونة غير مسبوقة.. وهذا لتمكين الشباب من سهولة فتح الأفواج الكشفية..
القائد السابق للكشافة، نور الدين بن براهم، أطلق مشروع مليون كشاف، أين بلغ عدد المنخرطين في الحركة الكشفية بالجزائر؟
مشروع المليون كشاف جاء في سياق خاص، لكن رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، رفع الطموح إلى مليون ونصف مليون، تيمنا بعدد الشهداء، خاصة وأن الرئيس قدم الكثير من الدعم للكشافة، على غرار توفير 120 ألف بذلة كشفية وترسيم الاحتفال باليوم الوطني للكشافة ورعاية المحطات الكبرى، ونحن نعمل على رفع عدد المنخرطين إلى مليون ونصف مليون، تزامنا مع الاحتفال بمئوية الكشافة بالجزائر سنة 2036، والحمد لله، كان عدد المنخرطين في الكشافة سنة 2019 مع بداية العهدة الأولى 90 ألف كشاف، ونجحنا في رفع العدد إلى 200 ألف كشاف سنة 2023، واليوم يوجد 300 ألف كشاف.
هناك تراجع لثقافة التطوع والالتزام.. هل أثر ذلك على العمل الكشفي؟
طبعا، اليوم، قيمة التطوع في تراجع، ونحن ككشافة نشتغل على أن تكون هذه القيمة منتشرة بالمجتمع، خاصة مع الميولات الجديدة للشباب، التي تبعدهم على الالتزام والعمل التطوعي، على غرار الاعتماد على الذاتية أكثر من العمل الجماعي وتحديات الحياة من عمل ودراسة وتجارة وملهيات أخرى، علما أن أغلب القادة في الأفواج الكشفية هم جامعيون أو متخرجون جدد، وهذا ما يجعل الكشافة تعمل على زرع ثقافة التطوع كقيمة أساسية في المجتمع حتى يكون منسجما ومتماسكا.
العديد من الأفواج تعاني من صعوبة إيجاد مكان للتخييم.. علما أن المخيم هو أكثر وسيلة لاستقطاب المنخرطين، كيف يمكن تدارك الأمر؟
عدد الأفواج تجاوز 2000 فوج و300 ألف منخرط، كلهم يحتاجون إلى فضاءات كبيرة وأماكن للتخييم، وقعنا العديد من الاتفاقيات مع وزارة التربية، لفتح المدارس للمخيمات الصيفية، وهذا ما كان سنة 2024، بالإضافة إلى حث السلطات الوصية على تجهيز الغابات المحاذية للشواطئ بكل المرافق الضرورية للتخييم، لأن المخيم في الغابة أفضل من المدرسة وهو يتيح للطفل ممارسة الحياة الكشفية، وهذا ما دفعنا لتشجيع الأفواج على امتلاك وسائل التخييم الذاتي من خيم ووسائل تمكنهم من سهولة التخييم ليس في الصيف فقط بل حتى في الشتاء والربيع.
هل ستشاركون في مبادرة جمع المساعدات لغزة؟
نحن ككشافة مع موقف الجزائر الرسمي الذي يتطلب التكافل مع فلسطين في جميع الظروف، وهذا ما جعلنا نتواصل مع مختلف الجهات المعنية لتوحيد الجهود لجمع وتقديم المساعدات لغزة، والأمر حاليا قيد الدراسة والتخطيط، وسيتم الكشف عنه خلال الأسابيع القادمة، حيث ستعمل الكشافة على تجنيد جميع فروعها لجمع المساعدات وإيصالها للغزاويين في أحسن الظروف.
ما جديد الأنشطة التضامنية في رمضان؟
الأنشطة الكشفية في رمضان تعتمد على تعزيز الجانب التربوي والروحي للأطفال من خلال مسابقات لحفظ القرآن وتنمية الوازع الديني، بالإضافة إلى نشاطات تضامنية، على غرار مائدة الإفطار والطرود الغذائية والحملات التحسيسية، ونهدف هذا العام لبلوغ عدد أكبر من المستفيدين من هذه العملية من العائلات والمعوزين وتوسيع الشراكات مع المتطوعين والمساهمين..
شاركتم مؤخرا في المؤتمر الدولي الثالث لتمكين الشباب بالكويت.. كيف تقييم تواجد الكشافة الإسلامية الجزائرية في الهيئات والمحافل الدولية؟
الكشافة الإسلامية الجزائرية هي عضو في المنظمة الكشفية العالمية منذ عام 1963، وحققت الكثير من المكاسب، خلال السنوات الأخيرة، من خلال حضورها عبر شاباتها وشبانها الذين تم انتخابهم في مختلف الهيئات الإقليمية والعالمية، على غرار انتخاب القائدة نور الهدى محمودي في اللجنة الكشفية العالمية، حيث نالت هذه المرتبة باستحقاق رغم المنافسة، واليوم تتواجد الكشافة الإسلامية الجزائرية في كل الهيئات الكشفية العربية والعالمية وتلعب أدوارا متقدمة، من خلال سياسة تمكين الشباب التي اعتمدتها الكشافة في المشاركة في صناعة القرار، على المستوى الوطني والعالمي، من خلال رفع كفاءة القادة الكشفين..
تم تزكيتكم سنة 2023 لعهدة ثانية.. ما المكاسب التي تم تحقيقها؟ وما أولوياتكم في المرحلة المقبلة؟
عملنا في العهدة السابقة على رفع عدد المنخرطين من 60 ألفا إلى 250 ألف، وتمكنا من إيجاد الكثير من المرافق للكشافة، على غرار مقرات ومخيمات، تدعيم مشاركة الشباب دون 35 سنة في المناصب القيادية، ورفع نسبة التحاق الفتيات بالأفواج الكشفية، والمكسب البارز أكثر، كان تلبية رئيس الجمهورية لمطلب ترسيم الاحتفال باليوم الوطني للكشافة الإسلامية الجزائرية وتوفير 120 ألف بذلة كشفية، وبالنسبة للعهدة الحالية نطمح إلى رفع نسبة المنخرطين وتحسين الأداء الكشفي من حيث جودة التربية لتنشئة الأجيال على حب وخدمة الوطن، بالإضافة إلى إطلاق برنامج جديد للقادة الشباب، حيث يتم تخريج دفعة كل عام ليكونوا قادة مجتمعيين ليس في الكشافة فقط، بالإضافة إلى إيجاد مصادر تمويل جديدة للكشافة تضمن الحد الأدنى لمساعدة الأفواج على النشاط وتوسيع الشراكات في مختلف المجالات..
ما جديد الدورة 38 للمجلس الوطني؟
المجلس الوطني هو دورة سنوية للتقييم، وعرض التقرير المالي والأدبي والمصادقة على الخطة السنوية 2025، بحضور أعضاء القيادة والمحافظين الولائيين، والجديد هذا العام هم مناقشة حملة المساعدات لغزة، وإثراء المشروع التمهيدي العضوي لقانون الجمعيات، والتطوير المؤسسي للكشافة لتحسين مختلف الجوانب التربوية والمادية.