دفاع عن الحديث النبوي 2/2
فَعِلْم الحديث إذن، علم له مصطلحاته وقواعده وضوابطه، والكلام في الحديث يقتضي أن نرجع إلى هذه العلوم لا إلى غيرها من العلوم إلا بمقدار الضرورة التي تقدر بقدرها، للإستعانة بها في فهم بعض الأمور وليس لقبول الحديث ورده.
فعندما نتناول مسألة تاريخية من الجانب الاجتماعي نستعين بعلم الإجتماع، وعندما نناقش مسألة اقتصادية نستعين بعلم الاقتصاد، وعندما نخوض في مسألة سياسية كذلك، وقل مثل ذلك في جميع العلوم، لكن عندما نريد الكلام في الدين ومنه السنة النبوية والحديث النبوي، لا نخضع ذلك لعلوم الدين وعلم الحديث، إذ عندما يتعلق الأمر بالقضايا الدينية والحديث النبوي، لا يجد الواحد من المتنطعين حرجا في أن يرد حديثا لأن فيه لفظ “كلبا أسودا” أو أن الحديث يشتم منه رائحة الاستهانة بالمرأة مثل حديث “ناقصات عقل ودين” أو “لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة” أو حديث “المرأة الحائض تقطع الصلاة” وإلى ما هنالك من الأحاديث، لا لشيء إلا أن عقول القوم لا تقبل هذا أو لا تفهمه أو أن العصر يرفضه !!. وهذا في البحث العلمي مرفوض، إذ لكل علك قواعده وضوابطه.
إن منطق الأشياء يقتضي أن ننظر في هذه الأحاديث وغيرها وفقا لقواعد هذا علم ومصطلحاته، فإذا وصلنا إلى أنها أحاديث ضعيفة أو مكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد انتهينا من الموضوع، أما إذا وجدناها صحيحة النسبة للنبي وفق مصطلح الحديث، نبحث عن طريق آخر وقرائن للتأكد من صحة الرواية وصحة فهمنا ومعاني ألفاظها، وإذا لم نفهم الرواية أو لم نستطع إسقاطها، فلا يعني أن كل ما لم يتماشى مع عقولنا غير صحيح؛ لأن التعامل مع الحديث النبوي تعامل مع الوحي ابتداء..، ثم تناقش النصوص وفق المعايير العلمية الدينية والإنسانية. ومن مميزات الوحي عن غيره من النصوص المَتْلُوَّة والمقروءة أنه منزل من عند الله، والوحي يمثل المطلق وما نفهمه يمثل النسبي.
والحديث النبوي هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من قول قاله، أو فعل فعله، أو أمر فُعِلَ أمامه أو علم به وأقره، أي لم ينكره وهو ما يسمى بالتقرير، ويضيف أهل الحديث الصِّفَة الخِلْقية والخُلُقية، بحيث تصبح المرويات المتعلقة بخَلْقِته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، من الحديث ومن السنة.
والرسول صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن الكريم وبلغه وهو أساس الوحي وقطب الرسالة، ولكنه في تطبيقاته لذلك القرآن الذي هو كلام الله، صدرت عنه أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك..، فما يصدر من تطبيقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم هي وحي؛ لأنها فهم لصاحب الرسالة نفسه، باعتباره مؤتمنا من الله على القرآن، وباعتباره معصوما؛ لأنه النبي الذي جاء بهذا القرآن، وباعتباره الأكثر فهما للوحي الذي نزل عليه هو، ثم الأمثل فالأمثل، ولذلك لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت “كان خلقه القرآن”.
وتطبيقات الرسول للقرآن كانت متنوعة بتنوع مهامه في هذه الحياة؛ لأنه وإن كان نبيا بالأساس، والنبوة تقتضي التبليغ، فهو مبلغ عن الله ومعلم الناس عباداتهم وباني علاقاتهم مع الله سبحانه، وهو فرد مع ذلك في مجتمع يفعل ما يفعل كل الناس انطلاقا من الطبيعة الإنسانية وحاجاتها (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) [فصلت 6] ورئيس دولة يقود الجيش ويعلن الحرب والسلم، وقاضي يقضي بين الناس، ومفتي يفتي الناس وفق حاجاتهم الدينية، ومجتهد في الأمور الطارئة وربما يخطئ في اجتهاده ولكنه لا يقر على خطأ بموجب الرسالة، وما ينبني عليها من ضرورة العصمة؛ لأن القرآن يوجهه ويصحح اجتهاده.
فكل ما يرد عنه صلى الله عليه وسلم وارد عن نبي لا يجوز التردد في قبوله أو التفكير في رفضه ابتداء إلا بمبررات علمية يقررها علم الحديث وما له علاقة بموضوعه، يبقى تصنيف هذا القول أو ذاك الفعل ووضعه في مكانه يُرْجع فيه إلى أهل الاختصاص، فعندما تروى عنه مسألة قضائية مثلا بين متخاصمين، فهذه المسألة لا تقبل التعميم عادة؛ لأنها مسألة قضائية، ولذلك قال الرسول لأصحابه “إني أقضي بينكم وربما كانت حجة بعضكم ألحن من بعض، فمن قطعت له من حق أخيه، فقد قطعت له قطعة من النار”، أي أن النبي هنا قضى بما عرض عليه من أدلة وحجج، وهذه الأدلة والحجج قد ينجح فيها الظالم بحسن عرضه لقضيته ويخسر فيها المظلوم بسبب سوء عرضه وضعف حججه، والنبي ليس مسؤولا عن النتيجة المبنية على حجج قوية ولو كانت غير عادلة، وكذلك الفتوى، فقد سئل النبي واستفتي في أمر واحد وكانت أجوبته مختلفة، فكان يسأل مثلا عن أحب الأعمال إلى الله أو الأعمال التي تدخل الجنة، فقال لأحدهم “الصلاة لوقتها”، وقال لآخر “جهاد في سبيل الله”، وقال لآخر “طاعة الوالدين”، وقال لآخر “لا تغضب” وهكذا في كثير من الحالات؛ لأن الجواب عن الاستفتاءات يكون حسب الحالة المعروضة وليس بما هو مقرر في القواعد الأصلية دائما، بحيث يكون الجواب أحيانا مخالف للأصل بسبب ضرورة ما اقتضت التخفيف في الحكم أو التشديد، باعتبار أن الضرورة تقدر بقدرها كما يقول الفقهاء.
وهناك أمور أخرى مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وثابتة سندا، ولكن عندما نقرؤها لا نراها مناسبة، أو لا نفهم وجهها مثل الكلام عن الأمور الغيبية، كنزول المسيح، وظهور المهدي المنتظر، والكثير من علامات الساعة، وقضايا أخرى كحديث الجصاصة وابن الصياد وورود اسم الكلب الأسود والحمار في أحاديث كل هذه الأحاديث واردة.
وهناك أحاديث واردة أيضا في الصحيح، وتبدو أنها مخالفة لأصول الدين ومنهجه في حركة التغيير الإجتماعي، مثل حديث الطاعة المطلقة للحكام وإن ظلموا وطغوا واستبدوا “وإن جلد ظهرك وسلب مالك..” مثل هذا الحديث وغيره مما يشبهه مضاد للقاعدة التي وجدت لإقامتها الأمة أصلا، وهي قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]. وحديث “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله…”، وهذا الحديث أيضا ظاهره مخالف لقاعدة الحرية في الدين (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 256].
فهذا الصنف من الأحاديث التي لا يمكن فهمها في السياق العام لما جاء به الإسلام، سواء لذاتها كذكر الكلب والحمار في حديث النبي، أو التي وردت في سياقات صحيحة ولكنها مضادة لأصول منهج هذا الدين الذي نزل على نسق واحد لا اختلاف ولا تضاد في مبادئه ووسائله وغاياته وأصوله، فهي إما غير قالبة للفهم فينبغي أن تبقى على أساس أنها من الأمور الغير مفهومة مثل الكثير من قضايا الكون، التي نلمسها ونراها ولكن لا نفهمها ولا نفهم وظائفها في الوجود، فتركت للزمن ليقول قوله فيها ذات يوم، وإما أنها أحاديث لها حكمها الزمني فتفسر به، فأحاديث الطاعة المطلقة ربما كانت في بداية بناء المجتمع الإسلامي لتعليم العرب الانضباط والخضوع للسلطة الإجتماعية ومؤسساتها، وهي سلطة جديدة عن العرب تختلف عن سلطة القبيلة، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعمم الخضوع للقانون وللمؤسسات وللشرعية، وليس للأفراد والقبائل كما كان الحال في المجتمع العربي الذي كان يخضع لقيم القبيلة أكثر من خضوعه للقيم الإنسانية [مقتبس عن د. عبد الحميد أبو سليمان]، ولذلك غيَّر المثل العربي “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، من الانتصار للقبيلة إلى الانتصار إلى المبادئ.
وفي الأخير وأنا أعرض لأهم ما ينبغي الانتباه إليه فيما يتعلق بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أشير إلى ضرورة الاهتمام بكل ما يروى عن العظماء، بتدوينه والمحافظة عليه وبقراءته في زمنه وليس خارج زمنه، وبمحاولة فهمه في إطاره زمانا ومكانا وحالا. وإذا كان ما دوِّن عن العظماء والقادة في العالم يهتم به كحدث متعلق بهم وبمحيطهم؛ لأنه معبر عن واقع بجميع أبعاده، ما بالنا بما يدون عن رسول أرسله للناس كافة، وصاحب رسالة تحمل من المطلقات والنسبيات ما لا يسمح بالتفريط في جزئية من جزئياته مهما كانت ضئيلة أو هامشية كما يخيل إلينا في بعض المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لا شك أن كلما كان المروي عنه أبعد صعب على الناس فهمه، ولكن فيما يتعلق بكلام الناس العاديين ربما تصرف الناقلون فنقلوا عنهم ما يحتاجون فقط أو ما فهموا من اجتهاداتهم، كما فعلوا ما أرسطو وأفلاطون وغيرهما من فلاسفة اليونان والرومان والفرس، وإلا لو نقلوا إلينا ألفاظهم المستعملة والاستنتاجات الساذجة لضحكنا كثيرا عن أولئك العظماء، أما فيما يتعلق بالقرآن وحديث النبي فنحن ملزمون بنقله كما هو خوفا وحفاظ على ما يمكن أن يضيع، ولو كان ذلك بتدوين ما ليس منه؛ لأن علم الحديث سيصفي ذلك.
ولكن العجيب في الأمر أننا لا ننتبه إلى هذه القضايا فنعجب بأرسطو.. وأفلاطون.. ولكن نضحك من حديث الرسول وفي أحسن الأحوال نسارع بنسفه كمات تعامل الناس كما كلام البشر..