دولة مدين وشعيب
العد التنازلي لرئاسيات 2019، بدأ منذ مدّة من خلال بداية شحن بطاريات العهدة الأولى للقادم الجديد إلى كرسي المرادية، فالرئاسيات المقبلة لن تكون كسابقاتها، لا من حيث السباق ولا من حيث السبق. فالرئيس بوتفليقة فيما يبدو يمهِّد الطريق لخليفة “راشد” غير “متغنّش” من بعده، لا يريد به إلا الاستمرار في تكريس ما حققه إلى حد الآن من انتقال “من دولة “مدين” إلى دولة شعيب”! فالدولة المدنية، التي بدأت تتشكّل معالمها من خلال سلطة “المال القانوني”، لا سلطة قانون المال، لن يكون من السّهل التحكم في تطويقها ضمن إطار “دولة القانون”، لأن التجاذبات المصلحية والكُتلية ستكون أقوى من مجرّد رغبة حسن نية سياسة!
ما شُرع فيه من “تبييض” المال والإعلام والسياسة من المتاجرة بالمال الأسود الذي كرّسته أيادي دولة مدين، قد يجد نفسه معرّضا للتسويد خلال الأشهر المقبلة، وسيكون التناطح قويا رغم أن السلطة تبدو قادرة على حسم معركة ليّ العظام لعظماء المال والسياسة والقوة بالقوة.. الناعمة! فحديث الخبرـ ربراب، وتطهير قطاع الإعلام “السيسية”، وبداية حركة عقارب ساعة العقارب باتجاه الهرولة نحو فرنسا “لتحريك بيت العقرب لتخرج مكرَهة” ـ على رأي مظفر النواب، هو مؤشر قوي لبداية العد التنازلي نحو صدام الفيلة قبل الموعد “الأبرهي” تطبيقا عمليا لمقولة “للبيت رب يحميه”!
نمتُ على هذا الحراك، لأجد نفسي أحضِّر نفسي لثورة مضادة: وجهتي هي فرنسا، أحرِّك فيها عقاربها السوداء والصفراء المهيأة أصلا للخروج صيفا من أجل اللدغ شتاء لتصيئ ربيعا! (فالعقرب تلدغ وتصيئ كما يقول المثل العربي!).
قلت للمسؤولين الفرنسيين الذين التقيتُهم سريا: نحن نعيد لكم، إن عدنا إلى مواقعنا السابقة، كل ما أضعتموه أثناء فترة الضياع الأخيرة! ستكون وهران وتزيزي لبيجو ورونو وفرنسا اليسار واليمين! سنقطع الشك باليقين وسنطبق بنود إيفيان كما لم تُطبّق! سيعود الحركى وسنقدِّم التعويضات والاعتذارات، لكن بالمقابل، افتحوا لنا الأجواء والبحار والفيزا للكبار!.. فلا مصر ولا عرب ولا أعاجم تركيا وإيران من غيركم سيكونون أهلا عندنا! سنطوِّر لغتنا التي هي لغتكم، وسنقضي على دابر التموقع الأمريكي على حساب شراكة الشركات الفرنسية! لن نسمح للروس ولا الصينيين أن يكتسحوا تراب الآباء البيض وأجداد حملة الصيد!
فرحوا بهذه البشرى ووعدونا بدعم الاحتجاجات كما دعموا احتجاجات أكتوبر 88، وأكدوا لي أنهم جاهزون “لبوتش” على منوال حركة “البوتشيست ضد ديغول” وواعدتهم أني سأكون أنا هو “الجنرال صالان” ومعي ” لاغايراد وماسو”.
لمَّا عدتُ إلى بيتي وسمعتْ جدتي (الأمازيغية) هذا الكلام على لساني، بصقتْ في وجهي وأنا ابنها الأكبر وهي تقول: تفوه عليك! فرنسا اللي قتلت بوك وخوك.. وعمك.. تمشي عندها وتحبها وتتمنى ترجع باش أنت تتمتع؟! قلتُ لها: جدتي، هذه سياسة وأنتِ خاطيك السياسة! قالت لي: أنتم اللي خْليتوها ودريتوها! روح صلي وحج وتوب.. خير ما ربي غدوة يديلك بوحبل وتلوي عنقك وأنت نصّ عمر! واش باقي لك؟ راك كبرت أكثر مني! أنا راني في عمري قريب تسعين.. ما عندي حتى مرض غير قلة البصر والركايب! أنت راه فيك السكر و”لاكاصيون” (صحّحتُ لها: لاطاصيون مش لاكاسيون!) قالت لي: راهم فيك بروج.. بلاكاصيون بلاطاسيون.. باش؟ حبّ الدراهم والقوة والحقرة! أحكم غير في راسك اللي راه يتهزز غير وحده..! راك تفيبري بلا ضو!
تركتها تهدر وخرجت لعلي ألقى من يشجِّعني..
وأفيق وجدتي إلى جواري تهدر:..والله ما يربح اللي وصل بلادنا لهذا الموصل.. (وأضيف لها: ولهذا الفلوجة!).