-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دونالد ترامب.. رئيسٌ يكذب

جمال لعبيدي
  • 75
  • 0
دونالد ترامب.. رئيسٌ يكذب

في 18 ماي، تداولت وسائل الإعلام العالمية آخر أكاذيب ترامب. اذ أعلن تأجيل الضربات الشاملة ضد إيران، والتي كانت مقررة في اليوم التالي الثلاثاء، وذلك “بناءً على طلب” ثلاث دول خليجية، لكن هذه الأخيرة نفت ذلك وقالت إنها “لم تكن على علم حتى بالأمر” !

هل أمريكا خجلة من رئيسها؟ ربما لا على الإطلاق. رئيس الولايات المتحدة يكذب. وفي معظم الثقافات والمجتمعات التي يصفها بـ”البربرية”، فإن هذا الأمر يُعدُّ في غاية الخطورة. إلى درجة أن المرء يجد صعوبة حتى في نطق هذه الكلمة، لما تحمله من خزي شديد. وقد تردّدتُ بالفعل في جعلها عنوانا لهذا المقال. لكنني فعلت ذلك لأنهم يقولون هذا في الولايات المتحدة نفسها. فقد ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” (1) أنها أحصت أكثر من 30 ألف كذبة ارتكبها ترامب خلال ولايته الأخيرة؛ أكاذيب صريحة، تقييمات خاطئة متعمَّدة، معلومات غير دقيقة، أو وعود سرعان ما نُسيت، وما إلى ذلك. ومع ذلك فقد انتُخب. وهنا تكمن المشكلة برمتها.
ويجب أن نضيف إلى الكذب أمورا أخرى لا تقل خطورة أو تفوقها: قضية إبستين، تضارب المصالح له ولعائلته -لكن هذا الفساد يكاد يكون أمرا طبيعيا في الولايات المتحدة- الاغتيالات المستهدَفة، تصفيات نظرائه من رؤساء الدول أو القادة، ومؤخرا في فنزويلا، اختطاف رئيس دولة. باختصار، لم يعد هناك أي رادع، ولا أي قاعدة، ولا أي حدّ، بالنسبة له، وكذلك بالنسبة لشريكه نتنياهو الذي يشاركه “المُثل” ذاتها، و”قيم” الحضارة نفسها، والأخلاق ذاتها، والتهديدات ذاتها بمحو شعوب وحضارات.

في 18 ماي، تداولت وسائل الإعلام العالمية آخر أكاذيب ترامب. اذ أعلن تأجيل الضربات الشاملة ضد إيران، والتي كانت مقررة في اليوم التالي الثلاثاء، وذلك “بناءً على طلب” ثلاث دول خليجية، لكن هذه الأخيرة نفت ذلك وقالت إنها “لم تكن على علم حتى بالأمر” !

إن كل جنحة من جنحه كانت ستؤدي بأي شخص، في أي بلد كان، إلى المحاكمة والإدانة. لكن ليس ترامب. ولا نتحدث هنا عن نتنياهو الذي يصفق مجتمعٌ بأكمله لجرائمه بل ويطالب بالمزيد، وبالذهاب في كل مرة إلى أبعد من ذلك، و”إنهاء المهمة”، ومواصلة الحرب ضد إيران. على الأقل في الولايات المتحدة، وعلى عكس إسرائيل، فإن الأغلبية ضد الحرب ولم تصل جماعيا إلى هذا الهذيان الاجتماعي المتمثل في الهيمنة، والغطرسة، والقتل، والمجازر، وفي نهاية المطاف الإبادة الجماعية.
ولكن لنعد إلى ترامب، لأنه الأهم، فلولا الولايات المتحدة لما كانت هناك إسرائيل نتنياهو.

“بومبوم”

ترامب ليس مجرد كاذب ومفترس. إنه واهم، وهناك جانبٌ طفولي في شخصيته لا ينفك يثير الدهشة والقلق “أنا لا أحب هذا، إنه شرير، هذا خيَّب أملي، لم يكن لطيفا”، هذا ما يقوله غالبا. ومؤخرا، صنع مقطع فيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي وهو يصرخ “بوم بوم” مثل طفل يلعب بجهاز “بوم بوي”، وهو يطلق أشعة الليزر على طائرة إيرانية. إنه أمرٌ يبعث على القشعريرة. إنه رئيس الولايات المتحدة، الأمة التي يُفترض أنها لا تزال القوة العظمى في العالم، والتي تملك القدرة على إنهاء كل أشكال الحياة على الأرض وإرسالنا إلى الأبدية. كيف يمكن هذا؟
هذا ممكنٌ لأنه انتُخب ولا يمكن لأحد تغييرُه قبل نهاية ولايته. وهذا يدعو الى التأمل: الشعور بمأزق ديمقراطي في حين أن الديمقراطية وُجدت تحديدا لحل هذا النوع من المشاكل. قد يقول قائل إن كل هذا مرتبط بشخصية ترامب وليس بالمؤسسات الأمريكية وآلية عملها؛ نعم، ولكن ترامب ليس الكاذب الوحيد من بين رؤساء الولايات المتحدة. إنها تكاد تكون تقاليد لديهم؛ فالرؤساء الأخيرون الذين سبقوه، جونسون، نيكسون، كلينتون، أوباما، وآل بوش، ظلوا مشهورين بأكاذيب كانت مصدرا لحروب ومجازر ومقتل مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء. وكان المرء يظن أن أمريكا ستحمرُّ خجلا ولن تكرر ذلك، لكنها كررت الأمر: يوغوسلافيا بعد فيتنام، العراق بعد يوغوسلافيا، أفغانستان بعد العراق، ليبيا بعد أفغانستان، والعراق مجددا، إلخ…

ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أنها أحصت أكثر من 30 ألف كذبة ارتكبها ترامب خلال ولايته الأخيرة؛ أكاذيب صريحة، تقييمات خاطئة متعمَّدة، معلومات غير دقيقة، أو وعود سرعان ما نُسيت، وما إلى ذلك. ومع ذلك فقد انتُخب. وهنا تكمن المشكلة برمتها.

إذن، لا يبدو ترامب شذوذا أو حادثا عارضا في آلية ممارسة السلطة في الولايات المتحدة، بل هو استمرارٌ لها، وربما يمثل ذروتها. والذروة هنا هي أزمة نظام سياسي، نظام الديمقراطية الغربية كما عملت حتى الآن وكما يبدو أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

“أنا هنا، وأنا باقٍ هنا”

إذا كانت الولايات المتحدة، كما هو الحال دائما بالنسبة إلى الغرب، تدفع بالأمور -وبالتالي بهذه الأزمة- إلى أقصى حدودها، فيجب الملاحظة أن هذا ليس حكرا على هذا البلد وحده، ففي بلدان كثيرة من العالم، نجد أنفسنا أمام هذا النوع من المأزق: رؤساء أو قادة دول غير شعبيين، لكنهم يستمرون في ممارسة ولايتهم ويعيثون فسادا حتى النهاية، لأنهم انتُخبوا ولأن الدستور يملي ذلك. وبطبيعة الحال، فإن الانقلابات العسكرية التي تدَّعي تجاوز هذا الانسداد ستكون أسوأ بكثير. وقد أثبت التاريخ ذلك بشكل قاطع.
لنعد إذن إلى هذه النقطة التي تبدو جوهرية الا وهي: الانتخابات. لقد كان هناك اعتقادٌ بأن الانتخابات وحدها، أي الديمقراطية التمثيلية، هي الحل للنزاعات في ظل الديمقراطية، لأنها تمنح نظريا إمكانية التغيير عبر الصندوق، أي التداول على السلطة.

غير أننا نسينا شيئا ما: الانتخابات نعم، ولكن لأي مدة؟ وماذا سيحدث تحديدا عندما لا يكون من الممكن تغييرُ مسؤول منتخَب لأنه انتُخب لمدة غير قابلة للتقليص رغم أنه مقصِّر وفاشل؟ باختصار، ماذا يحدث عندما لا يكون من الممكن حل مشكلة ما عن طريق الانتخابات؟ لقد اعتقدت الولايات المتحدة أنها وجدت علاجا لمثل هذه المشكلة عبر تحديد انتخاب رئيس الجمهورية بولايتين فقط. ولكن حتى في هذه الحالة، يمكنه البقاء لبضع سنوات يكون فيها رئيس الدولة غير مُرضٍ ومع ذلك يظل غير قابل للعزل، فماذا نفعل حينها؟ إن حلول العزل أو الإقالة شبه مستحيلة عمليا.

وتجدر الإشارة أيضا إلى هذا التوجه السائد في كل مكان تقريبا من قبل الرؤساء الخاضعين لهذه القاعدة الدستورية المحدِّدة للولايات، إذ يسعون إلى إلغائها للبقاء في السلطة. “أنا هنا، وأنا باقٍ هنا”، هذا هو مشروعهم دائما، باستثناء حالات نادرة ومثيرة للإعجاب. وهذا في الغالب هو التمهيدُ للديكتاتورية. وترامب نفسه يفكر في ذلك، رغم أنه في بلد مثل الولايات المتحدة يمتلك تقاليد عريقة في تحديد الولايات.

 ترامب ليس الكاذب الوحيد من بين رؤساء الولايات المتحدة. إنها تكاد تكون تقاليد لديهم؛ فالرؤساء الأخيرون الذين سبقوه، جونسون، نيكسون، كلينتون، أوباما، وآل بوش، ظلوا مشهورين بأكاذيب كانت مصدرا لحروب ومجازر ومقتل مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء.

وهذا دليلٌ واضح على أن المسألة برمَّتها تكمن في إدارة الوقت المخصَّص للولاية، وفي قدرة المواطنين على التقييم في الوقت المناسب ما إذا كانت التجربة ناجحة أم لا. وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الممثلين المنتخبين على جميع المستويات، لأننا نلاحظ التجاوزات ذاتها، والعجز نفسه للمجتمع عن تصحيح المسار والتدخل سلميا وديمقراطيا.

الديمقراطية المباشرة

ومع ذلك، فإن الحل موجود ومنذ زمن طويل، وهو الديمقراطية المباشرة، التي تُعدُّ إحدى أدواتها إعطاء المواطنين إمكانية إعادة النظر في انتخابات أو في مسؤول منتخَب، على أي مستوى كان وفي أي وقت، بشرط بسيط وهو أن يطالب عددٌ كبير نسبيا من المواطنين بانتخابات جديدة؛ وبذلك، يجري الحفاظ على الديمقراطية شكلا من خلال الانتخابات، ومضمونا من خلال السلطة السيادية للشعب. وقد ظهر هذا الحل لفترة وجيزة خلال “كومونة باريس” عام 1871.
إن أحد جوانب الديمقراطية المباشرة هو شفافية السلطة، وخاصة السلطة التنفيذية. ومن الغريب أن ترامب، ورغم كل العيوب المتهم بها، هو من جاء ليدشن شكلا من أشكال الممارسة المباشرة للسلطة. وربما يكون هذا أيضا أحد الأسباب المعقدة التي تسمح له باستغلال ناخبيه والتعسف معهم. لقد أصبح مكتب رئيس الولايات المتحدة، المكتب البيضاوي، مكانا تُمارس فيه السلطة على المباشر، يغص بالصحافيين والمنتخَبين، والمديرين، والمشاهير، والجمعيات، والمواطنين العاديين. وبذلك يقوم ترامب بأمر جوهري: إنه يزيل الهالة المقدسة عن السلطة. فقبله، في كل مكان وفي كل زمان، كان أولئك الذين يتولون السلطة يسارعون، بمجرد استلامها، إلى إحاطتها بالغموض وجعلها
غامضة، وبعيدة، ومنفصلة عن أولئك الذين انتخبوهم. وعلى أيِّ حال، فقد شعر ترامب، بطريقته الخاصة وربما بنيَّات أخرى، كم أن هذا الاحتياج إلى الديمقراطية المباشرة كان حاضرا ويتحول إلى أمر ملحّ.
إن الأزمة العميقة التي تمر بها الديمقراطية تعبِّر عن نفسها في كل مكان بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، وذلك تحديدا تبعا لقدرة الأنظمة السياسية القائمة على احتواء عناصر الديمقراطية المباشرة بشكل أو بآخر. وهذه الأزمة آخذة في الاشتداد؛ ولعل أحد أكثر تجلياتها وضوحا وبروزا هو الامتناع الجماعي عن التصويت في الانتخابات في معظم أنحاء العالم، مما يثبت بوضوح أن المواطنين لا يعتبرون النظام الانتخابي علاجا ناجعا لكل العلل، بل هو مجرد عنصر من كلٍّ متكامل.

المنتخبون في الصين

وثمة إدانة أخرى تظهر في كل مكان بقوة متزايدة، وهي إدانة الامتيازات المادية وغيرها التي يمنحها المنتخبون لأنفسهم تحت ذرائع متعددة، والتي تساهم في تكوين طبقة سياسية. هذه الأخيرة تنتهي بالعمل في حد ذاتها ولصالح نفسها بناءً على روابط مصلحية خفية وضمنية. وغالبا ما ينتهي بها المطاف أيضا إلى التواطؤ مع السلطة التنفيذية عندما ترغب هذه الأخيرة في توسيع صلاحياتها ومدة بقائها. ولهذا السبب، يصبح التهديد بحل المجالس المنتخَبة أحد وسائل الضغط الرئيسية للسلطات التنفيذية. أما في الديمقراطية المباشرة، فإن المبدأ الذي دشّنته هناك أيضا “كومونة باريس” عام 1871، يقوم على تحديد الأجر ليكون مساويا لأجر عامل بسيط، مع وضع قاعدة تمنع هذا الأجر من أن يشكل في حد ذاته مصدر جذب خاص، وذلك لتجنُّب الانتهازية. وهناك بلد واحد فقط حسب علمي جعل من الوظيفة التمثيلية عملا تطوعيا غير مدفوع الأجر، وهو الصين؛ وإن كان بإمكاننا طرح تساؤلات حول الجوانب الأخرى للديمقراطية الصينية.
إذن، فإن كل هذه الانحرافات والتشوهات هي التي انتهت بتقويض الديمقراطية التمثيلية وإنضاج فكرة الديمقراطية المباشرة، القائمة على آليات متنوعة: الاستفتاء الشعبي، المبادرة
المواطنية للقوانين، الأجور المتواضعة للمنتخبين، وشفافية القرارات وآلية عمل السلطة.

الديمقراطية والتكنولوجيا

غالبا ما تظهر الحلول عندما تنضج ظروف تنفيذها: وهكذا، مع الثورة التكنولوجية الحالية، فإن التطور الخيالي لشبكات التواصل الاجتماعي والتحول المذهل للمبادرة في مجال الإعلام، يظهران بالفعل كعناصر للديمقراطية المباشرة. وتعتبر قنوات الاتصال الجديدة هذه في الوقت نفسه ساحة مميزة لتوجيه النقد للنظام القائم.

يقول الرئيس ترامب عن أكاذيبه إنها “حقائق بديلة”. وهو بذلك يعبِّر عن واقع ملموس، مَفاده أن الحدود بين الحقيقة والزيف لم تكن قط رقيقة ومبهمة كما هي عليه اليوم مع تطور تكنولوجيات الاتصال الحديثة. وهنا تكمن مفارقة هذه التكنولوجيات: فهي وسيلة للتحرر والاستعباد في آن واحد. وليس من قبيل الصدفة أن يكون استخدامها لتوظيف وتوجيه الناس قد بلغ أقصى حدوده في الولايات المتحدة، وتحديدا على يد رجل قادم من وسائل الإعلام مثل ترامب.

يقول الرئيس ترامب عن أكاذيبه إنها “حقائق بديلة”. وهو بذلك يعبِّر عن واقع ملموس، مَفاده أن الحدود بين الحقيقة والزيف لم تكن قط رقيقة ومبهمة كما هي عليه اليوم مع تطور تكنولوجيات الاتصال الحديثة. وهنا تكمن مفارقة هذه التكنولوجيات: فهي وسيلة للتحرر والاستعباد في آن واحد. وليس من قبيل الصدفة أن يكون استخدامها لتوظيف وتوجيه الناس قد بلغ أقصى حدوده في الولايات المتحدة، وتحديدا على يد رجل قادم من وسائل الإعلام مثل ترامب.
وهذا دليلٌ آخر على أن التطور التكنولوجي في حد ذاته لا يكفي ما لم تصاحبه شروط أخلاقية، وبالتالي سياسية، لاستخدامه، حتى يسمح فعليا بتحقيق ما نسميه عادة “التقدّم”. إن التطور التكنولوجي يثير ويحمل في طياته مطلب ديمقراطية حقيقية، ديمقراطية مباشرة، تسمح فعليا بالسيادة الشعبية، ومن ثمّ تضع حدا لأكاذيب الدولة. وإذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فإن الأزمة الحالية للديمقراطية تعبِّر عن صراع التكيف هذا بين التطور التقني والتقدم الاجتماعي.
في الواقع، الديمقراطية المباشرة ليست أمرا جديدا؛ فقد وُجدت في التاريخ، بما في ذلك في العصور الغابرة. غير أن تحول المجموعات البشرية إلى أمم، والمسافات التي اتسعت بين عناصر الأمة الواحدة، والتطور الديموغرافي، وتضارب المصالح، جعلت من الضروري، في مرحلة أولى، تفويض التمثيل، أي اللجوء إلى الديمقراطية التمثيلية. وربما ستسمح الوسائل التكنولوجية من الآن فصاعدا، في مرحلة ثانية، بسلوك الطريق المعاكس، والعودة إلى الجذور، وتحقيق هذه الطوباوية (المدينة الفاضلة) الجميلة: سياسة أصبحت أخلاقا في نهاية المطاف، ولكن هذه المرة على أسس مادية متينة.
—–

(1) https://www.washingtonpost.com/politics/2021/01/24/trumps-false-or-misleading-claims-total-30573-over-four-years/

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!