رجل جمع بين تواضع المناضل وحماسة الثائر
“يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”.. أجد نفسي عاجزا عن التعبير والكلمات تضيع مني وسط زحام من المشاعر الحزينة فماذا بوسعي أن أقول عندما أكتب عن شخصية مجاهدة ومناضلة وثورية مثل الأخ والصديق سي لخضر بورقعة الذي تعرفت عليه عام 2012 أثناء انعقاد المؤتمر القومي العربي ومن يومها توثقت علاقتي الشخصية به حيث وجدت فيه صفات تكاد لا تجتمع في إنسان إلا نادرا مثل تواضع المناضل وحماسة الثائر وطيبة الإنسان وصدق المؤمن وصلابة وإرادة المجاهد وزهد الصوفي كل ذلك ممزوجا بتواضع جم وأخلاق عالية وروح مرحة لا تؤثر على جديته وصرامة مواقفه عند اللزوم. ورغم تقدمه في السن فقد ظل محتفظا بنشاط الشباب وروحه المتقدة بل إنه أحيانا يتجاوز الشباب بحركته مما جعل سي لخضر بورقعة في عيوني كأنه إنسان لا يشيخ.
فمنذ عرفته كان لا يغيب عن أي مشاركة تتعلق بقضية فلسطين وشعبها العربي المناضل الصابر والصّامد بالإضافة إلى مشاركته بأي قضية تهم الأمة العربية سواء كان الداعي لها المؤتمر القومي العربي أو المؤتمر القومي الإسلامي أو مؤتمر الأحزاب العربية أو المركز العربي الدولي للاتصال بالإضافة إلى كونه الرئيس الشرفي للمرصد المغاربي لمناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني.
لقد كان المرحوم سي لخضر بورقعة من المجاهدين الكبار وفرسان النضال الثوري المسلح ضد الاستعمار الفرنسي إبان ثورة نوفمبر 1954 التي حققت الاستقلال الناجز للشعب الجزائري الشقيق.
وبعد الاستقلال انتخب بالمجلس الوطني التأسيسي وعندما وكان في زيارة لفرنسا علم بأنه (متبوع) من أجهزة أمن السلطة الجزائرية فلم يطلب حق اللجوء السياسي بفرنسا بل قرر بكل إرادة الثوار ورجولة الأبطال وشجاعة المناضلين أن يعود إلى الجزائر حيث حكم عليه في يوليو 1968 بالسجن 30 عاما قضى منه ثمانية أعوام وأطلق سراحه سنة 1975 بعفو رئاسي وظل سي لخضر وفيا لمبادئه معطاء بجهده صلبا بمواقفه ثابتا ومتمسكا بقناعته الوطنية والقومية فلم يجد أية صعوبه بالمزاوجة بين نضاله الوطني الجزائري ونضاله القومي العربي بشكل عام وبدعمه وتفاعله وتأييده لنضال الشعب العربي الفلسطيني على وجه الخصوص وتلك سمة يتصف بها معظم أبناء الجزائر إن لم يكن جميعهم.
وبرغم تقدّمه في السن فقد استمر بنشاطه ونضاله لا يكل ولا يمل بل إن تعرضه للسجن عدة مرات آخرها عام 2019 ولمدة ستة أشهر لم يثنه عن المشاركة بمختلف الفعاليات الوطنية والقومية التي كان آخرها الانتفاضة الشعبية الجزائرية والحراك الشعبي ضد الفساد والفاسدين حيث كان نبراسا مضيئا بالقلب منها ومن قادتها وعمره بالثمانينات مما يجعلني أشبه نشاطه ونضاله وتقدم عمره ببخور العود الذي كلما زاد احتراقا انتشرت رائحته طيبة وروعه.
لقد كانت بوصلته دائما وأبدا هي مصلحة جماهير الشعب الجزائري وحقوق الشعب الفلسطيني وأمته العربية لم يسعى للسلطة يوما بل ظل مناضلا يعيش وسط الجماهير يتبنى قضاياها ويعبر عن مطالبها ومشاعرها كان مجاهدا أبيا في زمن سادته روح الاستسلام والخضوع وكان كبيرا في زمن الصغار وكان وطنيا وقوميا مخلصا في زمن الخونة والعملاء والإقليميين والمناطقيين.