رسالة إلى عازبة حالمة
يتبعك، يزعجك، يتودد إليك ويتشفع بإعلان نيته ورغبته في الحلال. تتعارك الأفكار في رأسك، وتتبارز الأحاسيس، إنّك على مشارف كذا من السنين، أنت تطرقين باب “الشبح”.. أقصد بالأول ذلك الشاب الذي بينك وبينه فروقات لا حصر لها، والثاني شبح العنوسة الذي يتوعدك بأقسى السيناريوهات ويهمسك بخبث: السنوات تركض ركضا وفارس أحلامك الذي تنتظرينه بطل في الروايات الخيالية التي تقرئينها، وليس في واقعك وفي بلدك المنتسب للعالم المتخلف، لا تكابري يا عزيزتي، العلم والمنطق والمجتمع كلّهم على حق، للمرأة فترة صلاحية محدودة، لا أحد سيهتم لعلمك وثقافتك وطموحك، الرجال يريدون امرأة تستوفي شروط رغباتهم بكل واقعية.
على مضض ستمضين عقد التنازل، بداية المعاناة ستكون مع تفاصيل صغيرة لكنهّا تختزل فروقات كبيرة تنذر بخطورة المغامرة، ستصابين في البداية بانقباضات صدرية متوالية، وقد يتصبب منك العرق إثرها، مرّة وأنت تسمعينه يتكلف الحديث معك بكلمات فرنسية مكسورة، استعراضا لثقافته أمامك، وأخرى حينما تجارينه في الاستماع إلى أغنية على ذوقه على الأرجح إن لم تكن من زمرة ” الواي واي “فستكون مثيلتها في الكلمات الخشونة والسوقية.
أما الغثيان فستصابين به عندما تتدرّجان إلى نقاشات علمية سياسية دينية، ستجدين نفسك أمام فقيه يؤمن بان المرأة مكانها البيت لكنه لم يجد حرجا في طلبك وأنت الموظفة، ستجدين نفسك أمام” زوربا الجزائري “يؤمن بان الحياة هي المعلم الأكبر، وأن شهادتك وكتبك لا تساوي شيئا أمام ما تعلّمه هو من الحياة، مع ذلك يريد أن يستشعر قيمته وذاته بالارتباط منك لأنك متعلمة وذات منصب محترم، وستذبلين يوما بعد يوم بعدما تكتشفين الأفظع عفويته مقيتة فهو لن يكلّف نفسه عناء تهذيب ألفاظه، ولا تأديب طريقة أكله، وربما تصرفات وطباع أكثر فظاعة.
لا تصدّقي من يقول أن الرجل بيد المرأة، وبإمكانها صقله مع الزمن، وأنك بحاجة إلى مهارة وذكاء، لتجعلي منه الخيّال النبيل الذي كنت تتمنين، ولا توهمي نفسك بأنه يوما من الأيام سيشغل مع أبنائه موسيقى موزار، أو يشتري لهم كتبا ويحثّهم على مطالعتها، ولا تسمحي لخيالك بخداعك حين يرسم صورة رجل راق مهذب لا يتلفظ بالكلمات النابية والشتائم أمام أطفاله.
هذا الصنف المتوفر بكثرة في مجتمعنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح لك بعجنه وتشكيله كما ترغبين، وبمجرد أن تبدي له امتعاضك من تصرفاته أو ذوقه الذي لا يروقك، أو لمجرّد كلامك في مواضيع علمية تثقيفية، سيعتريه مركب النقص اتجاهك، ويالتعاستك إن كان قد أحكم قبضته وشد عليك بالميثاق الغليظ، سيملأ البون بينكما بمحاولة التقليل من شأنك مجندا لذلك عضلاته، وشتائمه، وامتيازاته الاجتماعية التي تصب كلها في صالح ” الذكر ” فيذكرك بقدرته على تبديلك بمن هي أحسن منك في كل شيء، ويهدّدك بلقب المطلقة، ويسرد عليك قصة الطبيبة التي راودته عن نفسه، وملكة الجمال والثراء التي مازالت تعرض خدماتها عليه وما شابه…
إن كانت غايتك في الحياة هي الإرتقاء في معارج الصلاح والنجاح، فلا تغامري ولا تقامري بشراكة حياتية مع رجل ليس من مستواك، فأنت حينها لن تتنازلي على طموحاتك فحسب، بل ستجدين نفسك أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إمّا أنك تقرّرين الإنفصال، أو تستعدّين لنحر أحلامك واحدا تلو الآخر على عتبة الأيام!