-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سر تعلق الجزائريين بفلسطين

سر تعلق الجزائريين بفلسطين
ح.م
باب المغاربة

ليس من المبالغة القول إن تعلق الجزائريين بفلسطين تعلق ضارب بجذوره في التاريخ ، فقد استوطن الجزائريون فلسطين منذ القديم ، إما مجندين في جيش صلاح الدين الأيوبي، و إما مهاجرين ضمن حركات الهجرة الواسعة في القرون الوسطى بين المشرق و المغرب بسبب تطور وسائل النقل و ظهور كيانات سياسية جديدة و لا سيما الإمبراطورية العثمانية ، مما ساعد على تعزيز الوحدة الجغرافية بين منطقة الشرق الأدنى و شمال إفريقيا ، و إما مهجرين من بلادهم إبان الاستعمار الفرنسي ، و إما متواجدين ضمن قوافل الحجيج المغاربة الذين كانوا يمرون بالمدينة المقدسة في طريقهم إلى مكة المكرمة و عودتهم منها ، و إما مهجرين بعد نكبة 1948 و انتشارهم في أكثر من بلدة فلسطينية ، و إما مجندين حديثا في الجيوش العربية ضد الاحتلال الصهيوني في سنوات الستينات و السبعينات.

لا يكمن سر تعلق الجزائريين بفلسطين في كونها أرضا عربية ، تضم أولى القبلتين و ثالث الحرمين و حسب و أن الدفاع عنها واجب شرعي و قومي، بل يكمن في أن فلسطين هي وطنهم الثاني الذي يعد امتدادا لوطنهم الأم الجزائر ، تذكر الموسوعات التاريخية التي أرخت للوجود الجزائري في فلسطين أن هذه الأخيرة استقبلت أعداد معتبرة من الجزائريين في مراحل تاريخية مختلفة و ضمن حركات هجرة متصلة أو متقطعة ، و هناك شواهد كثيرة في عدة بلدات و قرى فلسطينية تدل على أن الجزائريين قد مروا من هنا ، أو أقاموا بها لفترة أو لبثوا في بعضها إلى يومنا هذا ، فباب المغاربة شاهد على الوجود الجزائري في القدس ضمن الوجود المغاربي بشكل عام ، و وقف سيدي بو مدين الغوث الذي يعد قطبا من أقطاب التصوف الإسلامي لا يزال شاهدا على الحضور التاريخي المبكر للجزائريين في المدينة المقدسة و ما حولها و ما وراءها. ما سقته و هو غيض من فيض ، يفسر سر تعلق الجزائريين بفلسطين، و يفسر أيضا سر ثبات الموقف الجزائري الرسمي و الشعبي على سواء من القضية الفلسطينية و الذي لم يتغير حتى في زمن الضغط العالي و هرولة بعض الكيانات إلى التطبيع حفاظا على مصالحها و طلبا لود من يرعونه.

يفصل هذا المقال أسرار تعلق الجزائريين بفلسطين، فبعض هذه الأسرار لا تخفى على الباحثين في الموسوعات التاريخية التي تهتم بتاريخ فلسطين، و لكن بعضها الآخر يخفى على كثيرين، الذين لا يعرفون من سر العلاقة بين الجزائريين و فلسطين إلا ما ظهر منها. إن فلسطين بالنسبة للجزائريين أكثر من قضية و أكثر من أرض محتلة فهي عندهم الموطن الذي وطئته أقدام أجدادهم و تعيش فيه ثلة من إخوانهم الذين امتزج في قلوبهم الدم الجزائري و الفلسطيني فجعل منهم عنصرا جزائريا فلسطينيا يعيش بجناحين.

وقف سيدي بومدين الغوث ( بومدين التلمساني ) في القدس :

جاء  ذكر أبي مدين الغوث أو أبو مدين التلمساني في كتاب “سير أعلام النبلاء ” للذهبي ضمن الطبقة الحادية و الثلاثين على هذا النحو ، الذي أنقله كما هو لدقته و رصانته : ”  أبو مدين هو شعيب بن حسين الأندلسي الزاهد ، شيخ أهل المغرب كان من أهل حصن منتوجت من عمل إشبيلية . جال وساح ، واستوطن بجاية مدة ، ثم تلمسان .ذكره الأبار بلا تاريخ وفاة ، وقال كان من أهل العمل والاجتهاد ، منقطع القرين في العبادة والنسك . قال : وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة وكان آخر كلامه : الله الحي ، ثم فاضت نفسه .قال محيي الدين بن العربي : كان أبو مدين سلطان الوارثين ، وكان جمال الحفاظ عبد الحق الأزدي قد آخاه ببجاية ، فإذا دخل عليه ويرى ما أيده الله به ظاهرا وباطنا ، يجد في نفسه حالة سنية لم يكن يجدها قبل حضور مجلس أبي مدين ، فيقول عند ذلك : هذا وارث على الحقيقة .قال محيي الدين : كان أبو مدين يقول : من علامات صدق المريد في بدايته انقطاعه عن الخلق ، وفراره ، ومن علامات صدق فراره عنهم وجوده للحق ، ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق ، فأما قول أبي سليمان الداراني : لو وصلوا ما رجعوا ، فليس بمناقض لقول أبي مدين ، فإن أبا مدين عنى رجوعهم إلى إرشاد الخلق و الله أعلم”.

لا غنى للباحث في سيرة سيدي بومدين الغوث عموما و الوقف الذي يحمل اسمه من الرجوع إلى كتاب قيم  للباحث الجزائري زعيم خنشلاوي و هو باحث في أنثروبولوجيا الأديان ، و قد ألفه مناصفة مع الباحث الفلسطيني من جامعة القدس محمد الحزماوي بمناسبة تظاهرة : ” القدس عاصمة للثقافة العربية سنة 2009 ” وقف سيدي أبو مدين في القدس الشريف 720هـ/1320م”.يلخص هذا الكتاب و بمنهجية علمية رصينة و بتوثيق و تحقيق تاريحي معمق تاريخ وقف سيدي بومدين الغوث في القدس ، و هي المعلومات التي احتوتها كثير من الموسوعات و المصنفات التاريخية التي تناولت حياة و آثار بومديبن التلمساني في المدينة المقدسة.  يروي هذا الكتاب قصة الارتباط الروحي و التاريخي بين القدس و سكان المغرب العربي منذ الأيام الأولى لدخول الإسلام إلى هذا القطر العربي في شمال إفريقيا ، كما يتضمن معلومات قيمة عن وقفية أبي مدين الغوث التي جعلها وقفا على الفقراء و المحتاجين من أبناء الجالية المغاربية في القدس سنة 1320م . كما يتطرق الكتاب إلى الإهمال المتعمد لهذا الوقف في مختلف الحقب التاريخية و ما طاله على يد الاحتلال الإسرائيلي و قبله على يد القوات البريطانية بعد احتلالها مدينة القدس في أواخر سنة 1917م ، و كان هذا العمل الهمجي البريطاني اليهودي شاملا لكل الأوقاف الإسلامية في القدس بما فيها وقف أبي مدين الغوث ، و قد أسهم اليهود المتطرفون في هذه الحملة العنصرية ضد الأوقاف الإسلامية التي تتنافى مع قيم التسامح الديني.

حارة المغاربة : قصة تمتد من بجاية إلى فلسطين

توجد حارة المغاربة في غرب المسجد الأقصى ملاصقة لحائط البراق ، و هي من الأحياء الأثرية و التاريخية القديمة في المدينة المقدسة ، و سميت بذلك كما أجمعت على ذلك الموسوعات التاريخية نسبة إلى المقاتلين الذين قدموا من شمال إفريقيا و انضموا إلى جيش صلاح الدين الأيوبي للدفاع عن بيت القدس ضد الغزاة الصليبيين سنة 1193م . و تضيف الموسوعات التاريخية أن أبا مدين الغوث خرج على رأس ألف فارس انطلاقا من بجاية و انضم إليه في الطريق مقاتلون من منطقة المغرب العربي قبل أن يحمل هذا الاسم . و كان جيش أبي مدين الغوث يتألف من طلبة الكتاتيب و العلماء و شيوخ الزوايا و الحجيج الذين راموا الفوز بالحسنيين :أداء مناسك الحج و أداء واجب الجهاد في سبيل الله و محاربة اليهود المعتدين و صدهم عن بيت المقدس. و قد فضل كثير من المجاهدين في القدس بعد تحرير بيت المقدس البقاء فيها فأوقف لهم صلاح الدين الأيوبي المساكن المحيطة بحائط البراق و منذ ذلك الحين عرف هذا الحي بحي المغاربة. لقد عرف المقاتلون المغاربة المنضمون إلى جيش صلاح الدين الأيوبي بشدة بأسهم و صبرهم و صمودهم ، و قد انتقلت هذه الصفات إلى أجيالهم ، و يكفي دليلا على ذلك ما يتصف به أفراد الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير من عزيمة قوية و قدرة فائقة على مواجهة التحديات و حماية الحدود و الممتلكات “فهذا الشبل من ذلك الأسد”.

لم يخلد المجاهدون الجزائريون العائدون من فلسطين إلى الأرض بل قاموا بعد عودتهم إلى بجاية بنشر العلم و تعليم الناشئة و انتشروا في بعض المدن الإفريقية في مالي و جنوب و غرب إفريقيا ، و لعل هذا هو سر انتشار المذهب المالكي فيما بعد في هذه البقاع ، و هو المذهب الذي يعد ثالث ثلاثة أركان التي تقوم عليها مرجعيتنا الوطنية و هي: فقه مالك و عقد الأشعري و طريقة الجنيد السالك.

و يلخص عمار لشموت  قصة الجزائريين الأوائل  و من كان معهم من سكان ما سمي فيما بعد المغرب العربي مع القدس و استقرارهم في الحارة التي حملت اسمهم ” حارة المغاربة ” ، و ذلك في مقاله المعنون : ” أبو مدين شعيب وحارة المغاربة.. قصة تمتد من بجاية إلى فلسطين” ، و المنشور بتاريخ 1 ديسمبر 2023 في موقع الجزائر Ultra فيقول : ” هذا السرد التاريخي، يؤكد مدى ارتباط الجزائر بالأراضي الفلسطينية، وهذا الارتباط العاطفي والديني والإنساني ما يزال يتدفق في وجدان الجزائريين تجاه القضية الفلسطينية، فلا يكاد يُذكر اسم أبو مدين شعيب، إلا واستحضرت القضية الفلسطينية وقصة باب المغاربة وبطولات الجزائريين في تحرير القدس”.

باب المغاربة  و الحضور الجزائري الشمال إفريقي في القدس:

يعد باب المغاربة أحد المداخل التاريخية البارزة في الجدار الغربي للمسجد الأقصى. جاء في ” الموسوعة الحرة ” : ” في أعقاب تحرير القدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م، شهدت المدينة عملية إعادة تنظيم شاملة للأوقاف والمؤسسات الدينية والسكنية، وكان من أبرز نتائج هذه السياسة إنشاء حارة المغاربة كوقفٍ إسلامي مخصص لاستقبال السكان القادمين من بلاد المغرب الإسلامي والأندلس، الذين شاركوا في الدفاع عن القدس أو قدموا للإقامة بجوار المسجد الأقصى”.

لا يزال هذا المعلم شاهدا على بلاء سكان شمال إفريقيا و على ارتباطهم الروحي بفلسطين ، و لا يزال السكان الحاليون من بعدهم تهتز أكبادهم لعمليات التدنيس المستمر للمسجد الأقصى و لعمليات الاقتحام المستمرة له على يد جيش الاحتلال و الجماعات الصهيونية التي حاولت وضع حجر الأساس لما يسمى ” الهيكل الثالث ” في حارة المغاربة في تحد سافر لمشاعر المسلمين ، و هو زعم لا يسنده دليل تاريخي و قد أكدنا بما تيسر لنا من مصادر تاريخية و أنثروبولوجية على أن الهيكل الثالث قصة مختلقة و أن الهدف منها إثارة مشاعر المسلمين و شرعنة الوجود الصهيوني في فلسطين. لا نعرف بين المنابر الإعلامية العربية –دون أن ينقص هذا من دور بعضها شيئا في مؤازرة القضية الفلسطينية -من يضاهي المنابر الجزائرية في دفاعها عن المسجد الأقصى و ما يتعرض له باب المغاربة من اعتداءات صهيونية متكررة ، و هذا كله ثمرة للدم النضالي الذي ورثه الجزائريون أبا عن جد و اقتفائهم أثر أسلافهم الأشاوس من أمثال أبي مدين الغوث في الدفاع عن بيت المقدس و عن عموم فلسطين.

قرى فلسطينية أصولها جزائرية:

جاء في موسوعة القرى الفلسطينية أن هناك قرى فلسطينية أصولها جزائرية، و مما جاء فيها بخصوص هذا الموضوع : ” يذكر الباحثان: مصطفى العباسي و هنادي قواسمي المعلومات التالية: “تأسست في قضاء صفد خمس قرى جزائرية، وهي: ديشوم، عموقه، ماروس، الحسينية، وتليل. وكان المهاجرون الذين استقروا في هذه القرى يرتبطون بجماعة الشيخ أحمد بن سلم، وكانوا من أبناء قبائل مختلفة. سكن في قريتي عموقه وماروس أبناء قبيلة أولاد بو الوارث الذين تعود أصولهم إلى منطقة مدينة دلس في الجزائر. بينما سكن في قريتي الحسينية وتليل أبناء قبيلة أولاد بو الكبير الذين تعود أصولهم إلى منطقة بليدة، بينما سكن في قرية ديشوم أبناء قبيلة آيت يحيى الذي أتوا من منطقة تقزيرت. وقد ذكر عدد من  الرحالة الأوروبيين إلى فلسطين في كتبهم ومذكراتهم الوجود الجزائري في هذه القرى وقرى أخرى مثل قرية ميس الجبل، ومنطقة تل حاصور (تل القدح)، وقرية علما، ورأس الأحمر. يمكن الاستنتاج من المعلومات التي بين أيدينا بأن جزءاً من المهاجرين الجزائريين سكنوا في بداية هجرتهم في قرى “مختلطة”، أي سكنوا مع الفلسطينيين، ومن ثم أسسوا القرى الخمس المذكورة أعلاه، والتي كانت قرى جزائرية بكامل سكانها. بالإضافة إلى ذلك، فقد سكن عدد من المهاجرين الجزائريين في صفد المدينة، والذين أتوا إليها بالأساس خلال موجة الهجرة الأولى، ونسمع عنهم من خلال القراءة عن مرور الأمير عبد القادر بصفد في طريقه إلى القدس”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!