سعد الله .. والقيمة المُضيعة
أصابنا نحن العرب والمسلمين إلى حد كبير داء خطير، ذلك أننا لا نتذكر الخير إلا بعد ما نفقده ليصدق فينا القول من جاءته النعمة ولم يشكر سحبت منه وهو لم يشعر.. وأي نعمة أعظم من وجود العلماء وأصحاب الرأي في الأمة؟ أي خير أعظم من أن يكون في البلد رجال كالجبال تميد الأرض إن غابوا!؟
في الجزائر تجلّت قيمة العلماء والمفكرين، وكيف أن كل خير في الجزائر جاء ثمرة لجهودهم.. عندما استبد الجهل والجوع والمرض، نهض علماء ومفكرون فصححوا مسار الحركة الشعبية واستنهضوا روح الشعب ودفعوه نحو الاستقلال ونيل الكرامة.. وتجلت قيمة العلماء في أكثر من مكان في أمتنا.
إلا أننا نصاب من حين إلى آخر بعمى الألوان فتغطي السياسة السطحية والتنافس المصلحي على روح الشعب والأمة فيتقدم الجهلة وأنصاف المثقفين وأنصاف الفنانين وأشباه الرجال فيحرمونا من رؤية الحقيقي والثمين.. ويصبح حال أمتنا مفسرا لحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الرويبضة..
أبو القاسم سعدالله علم من أعلام الثقافة الجزائرية المعاصرة مثله ككثيرين ملأوا ساحة الفكر والثقافة من مالك بن نبي ومولود قاسم إلى عبد المجيد مزيان مرورا بيحيى بوعزيز إلى العربي الزبيري إلى أشخاص أحياء كثيرين أجد من الحرج أن استمر في تسميتهم وهم قامات علمية باسقة في عدة تخصصات لاسيما علم الاجتماع والعلوم السياسية.. إنهم بما لديهم من حدة وعي ودقة تفسير وعمق رؤية لا يحتشد مثلهم في أي قطر من أقطارنا العربية والإسلامية، ولكن الاستفادة منهم محدودة ونكاد لا نشكر الله بوجودهم فينا، والشكر يكون بتفاعلنا معهم وبأفكارهم وترك الفرصة لهم كاملة في تسيير أمور ثقافتنا وعلومنا وأن يكون لهم من الحصانة والاحترام والتبجيل ما يليق بالعلماء.
مات سعدالله وسال الحبر في رثائه وكثر المادحون له والكل يحاول أن يتذكر بعضا من خصاله الجليلة، تواضعه وتبحره في التاريخ وأدبه الجم وعلمه الغزير.. والحاجة لسعدالله وأمثاله من الرهط الكريم – زمرة العلماء الكبار – لا تقف هنا، بل هي تمتد إلى الترويج لعلمهم وأفكارهم وإكرامهم أحياء قبل الموت، فليس هناك شيء أقسى على العالم من نكوص أهله عن علمه.
إن قيمة العلماء في أمتنا قيمة مُضيعة لم نستفد منها.. فماذا لو كان إنصاف سعد الله ومزيان ومالك بن نبي ومولود قاسم وسواهم في أي بلد متحضر يقيم للعلم قيمته!؟ حينذاك سيكون لهؤلاء التبجيل والاحترام والتقديم ليكونوا هم رواد الحياة.
عندما تغيب قيمة العلماء تحضر قيمة المشوشين بالأفكار المبتورة والتفاسير السقيمة المفرطة أو المتطرفة في الدين والحياة.. عندما تغيب قيمة هؤلاء المفكرين والعلماء، تبرز قيمة المشعوذين المتنطعين ليفسدوا حياة العباد والبلاد، يزجون العامة في المهالك.
إن إكرام العلماء في حياتهم وتوفير كل الفرصة لاحترامهم والأخذ منهم والتفاعل معهم وإبراز دورهم القيادي هو ضمانة للأمن القومي للبلاد وصيانة للاستقرار وتوفيرا لشروط النهضة والتقدم الحضاري.. إن قيمة العلماء أهم من الغاز والنفط والزراعة والصناعة، لأنهم هم ضمانة كل ذلك وبدونهم ستكون الحياة ضنكى.. فهل نستدرك ما فات.. تولانا الله برحمته.