-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
السلطات جمّدته وناشطون يقترحون تطويره وعصرنته

سوق “الرومبلي” للرثّ والقديم.. ذاكرة التجارة الاجتماعية بقسنطينة

س. ر
  • 1248
  • 0
سوق “الرومبلي” للرثّ والقديم.. ذاكرة التجارة الاجتماعية بقسنطينة
الشروق

زائر قسنطينة، هذه الأيام الصيفية، والمطل من شرفات الحي العتيق “السويقة” أو قبالة فندق “سيرتا” العتيق، أو جسري “سيدي راشد” و”صالح باي” الجسر العملاق، سيفتقد قطعة من مشهد المدينة، وهي سوق الأشياء القديمة “الرومبلي” أو تحت القنطرة كما يسميه البعض، وهو أحد أقدم الأسواق على المستوى الوطني، ويعود إلى ما قبل القرن الماضي، قبل أن يأخذ صورته الشهيرة ما بعد الاستقلال، حيث صار ملاذا لكل من أتعبته الحياة، أو بنك الرهينة في الهواء الطلق، كما كان يسمى حيث قيل بأن الناس تبيع فيه كل شيء وتشتري كل شيء.

للسلطات حجتها
يقع سوق “الرومبليا” العجيب أسفل جسر “سيدي راشد” الحجري العتيق، يتسلل إليه الزبائن والباعة من أسفل حي السويقة، في وسط المدينة كما له منافذ من حي باردو، ويفرش باغته أغطية و”كارتونات” أو فرش من البلاستيك، ومن دون “مكّاس” لأن البائع أحيانا تجده واقفا يحمل في يده حذاء أو صحن أو جهاز راديو فقط.
لكن الانهيارات التي عرفتها الأبنية القديمة التي تعود إلى العهد العثماني في السويقة هدمت السلالم التي تمرّ إلى الرومبلي، وزادت التسربات المائية في تعفن المكان، إلى أن تحول إلى شبه مفرغة عمومية، الدخول إليه مشوب بالمخاطر، والبقاء فيه قبول بوضع بيئي غير سويّ.
ومع بعض التطور الذي عرفته المنطقة المحيطة بالسوق، بعد إنجاز الجسر العملاق قبل احتضان قسنطينة تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2015، وإعادة ترميم فندق سيرتا العتيق ورفع نجومه من الثلاث، إلى خمس، وإزالة أكواخ حي باردو القصديرية، وتحويل الحي إلى حظيرة بيئية في منتهى الاخضرار والجمال، وكل هذا محيط بـ”الرومبلي”، علت أصوات تطالب بإزالة سوق “الرومبلي” أو تحويله أو تطويره وبقي الجدل يصنع الحدث في اجتماعات المجلس الشعبي البلدي والمجلس الشعبي الولائي على السواء، لأجل النظر فيه، إلى أن تم تجميد السوق وترك المجال للاقتراحات.
صراحة “الرومبلي” في السنوات الأخيرة، صار يقدم صورة مشوهة لمدينة قسنطينة، كل من يزور جسر سيدي راشد، مجبر على النظر إلى أسفل الجسر، وصورة السلع القديم جدا من أحذية ومسامير وطناجير، في وسط المجاري وأطنان من القمامة، لا يسرّ الناظرين.
المجلس الشعبي البلدي بقسنطينة أدرج قضية “الرومبلي” في أشغاله في ثلاث مناسبات، وبرغم اختلاف أراء الأعضاء إلا أن الغلبة كانت في صالح طالبي إزالته نهائيا.
أحد الاعضاء قال: إن الأسواق الشعبية الاسبوعية في ولاية قسنطينة، مازالت قائمة في الخروب وعين السمارة وحامة بوزيان وحتى في حي الكيلومتر الرابع ببلدية قسنطينة، وبإمكان الباعة التوجه إلى هناك، ورفض غالبيتهم اعتبار السوق من تراث المدينة كما يقول بعض المؤثرين الذين قالوا بأن ذاكرة المدينة لا يمكنها إسقاط “الرومبلي” من صفحاتها العتيقة.
المهم أن السوق حاليا خاو على عروشه، كما شاهدناه أمس الأحد، من أعلى سر سيدي راشد، مجرد أشغال به لم تكتمل، شاحنة هناك وآلة حفر هنا، لا أشجار ولا طريق حجري كما اقترحه البعض .. مجرد أتربة وفقط.

“الرومبلي” ونموذج بروكلين الأمريكية
في بروكلين وهي واحدة من المقاطعات التابعة لنيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، يوجد جسر كبير وعتيق لا يختلف من حيث الشكل عن جسر “سيدي راشد” بقسنطينة، وتحيط به العديد من البنايات القديمة، وهناك في أسفل الجسر يوجد سوق مخصص للأشياء القديمة، وتطور هذا السوق بشكل مثير، حتى صار تُشدّ إليه الرحال من كل المقاطعات والولايات الأمريكية وحتى من خارج البلاد، فقيل إن قبعة لتشرشل بيعت قديما هناك، كما بيعت خصلة من شعر روكفيلر الملياردير الأمريكي، وأشياء ألفيس بريسلي وبول نيومن، ومازال السوق نشطا ولكن ما يميزه هو جمال المكان الذي يوحي بالقدم، من أرض مصقولة بحجرة عتيقة وأشجار مغروسة على الجانب توحي بلونها ما بين الأخضر والرمادي بأنها قديمة جدا وهرمة وهي في الحقيقة يانعة وشابة، كما توجد على جنبات الشارع ساعات كبيرة عتيقة، تدق في كل ساعة زمن، وكنيسة وبنوك عتيقة جدا بهندسة تميل إلى زمن “الكاوبوي”.
رشيد هو مؤثر من مدينة قسنطينة يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أربعة عقود، زار سوق “بوروكلين” وأبرق للسلطات، نموذجا يراه صالحا لنقله، مع المحافظة على خصوصية قسنطينة التي كانت ومازالت عاصمة للنحاس والزليج والمباني العتيقة.
مؤثرون مازالوا يطلون بين أسف واقتراح، لأجل بعث السوق ولكن بنموذج مختلف وليتنافس بعد ذلك المتنافسون من باعة ومن مشترين، بشرط أن لا يتم تطويره وعصرنته،مع اقتراح بأن لا يبقى يوميا وينشط في الصباح من دون المساء.
السيد رشدي وهو عضو بلدي نبّه في حديثه للشروق اليومي عن أمر مهم وهو أن “السويقة” بأزقتها الضيقة ومنحدراتها مازالت عصية على شاحنات القمامة وهي تعتمد على البغال المحمّلة بالقفف الكبيرة لنقل الفضلات، و”الرومبلي” كان يزوره الآلاف ولا يمكن اقتحامه سوى عبر “السويقة” ولا يمكن نقل القاذورات والفضلات التي يتركها الباعة والزبائن سوى بالبغال وهو ما جعل الكثير من الناس يرمون القاذورات إلى أسفل جسر سيدي راشد حيث تستقر في وادي الرمال.

هنا باع هواري بومدين أشياءه القديمة
في حديث سابق جمع الشروق اليومي، مع رفيق درب الرئيس الراحل هواري بومدين في رحلته الدراسية إلى القاهرة، المرحوم محمد الصالح شيروف، أخبرنا بأن الطالبين شيروف وبومدين بعد أن قررا ترك الدراسة في مدرسة الكتانية بوسط مدينة قسنطينة، والانتقال إلى القاهرة خفية ومشيا على الاقدام في بداية خمسينيات القرن الماضي، كان لزاما عليهما بيع أشياءهما، فتنقلا إلى سوق “الرومبلي”، حيث وضع هواري بومدين معطفه القديم وبعض أواني الطبخ وسراويل وأثاث منزل وفراش، إلى جانب صديق رحلته وباعها جميعا من أجل كسب بعض المال لرحلة دامت شهرين مشيا على الأقدام في قلب تونس وصحراء ليبيا إلى أن بلغا القاهرة وجامعها الأزهر الشريف.
الجدل الذي حدث في إحدى دورات المجلس الولائي حول “الرومبلي”، كان طريفا فعلا، فالمدافعون عن “الرومبلي” يستندون على وجوده ما بين أقدم وأطول جسر حجري في العالم والمدينة العتيقة التي تعود إلى العهد العثماني “السويقة”، وقرب أقدم وأجمل فندق في المدينة “سيرتا” وغير بعيد عن الجسر العملاق أحد أجمل جسور الجزائر المعاصرة والعالم، وهي نفس حجج الداعين لإزالته نهائيا وإلحاقه بحظيرة باردو البيئية، كمكان للأحصنة أو مشروع لحديقة حيوانات. فالفريق الأول يلب نظاما خاصا للسوق وتوقيت خاص، وطبعا مكانا صالحا لممارسة التجارة العابرة، بينما يرى الفريق الثاني بأن السوق مهما حاولت ضبطه سيخرج عن السيطرة، وقد بيع في السوق في زمن سابق حتى الحيوانات من كلاب وأحمرة.

أعواد كبريت وملاعق وجوارب قديمة.. للبيع
سكان المدينة العتيقة يروون الغرائب عن سوق “الرومبلي”، بعضهم يقول بان ما كان يحدث فيه من بيع وشراء مثير للفضول.
يقول الهاشمي بسكري وهو شيخ جاوز السبعين: “سمعت عن شيخ عرض طقم أسنانه للبيع في “الرومبلي”، الأمر مدهش وقد لا يُصدق، لكن ما كان يباع هناك هو فعلا أغرب من الخيال.
بعض الشباب كانوا إلى غاية تسعينيات القرن الماضي، يتوجهون إلى “الرومبلي” للتفسح يلتقطون صورا غريبة عن سوق لا تشبه كل الأسواق مارس فيها الجزائريون في زمن الفقر في العهد الاستعماري، بيع الشيء القديم لكسب الجديد أو أحيانا لسد الرمق، وقهر الجوع، ومارسوا فيه البيع من أجل مشاريع مختلفة، فقد كان دائما سوقا اجتماعية تتحول فيه العلاقة بين البائع والمشتري إلى شبه عائلية، كل واحد يقدّر الوضع الذي يوجد فيه الآخر، فيدفع له المبلغ المالي مجاملة ومساعدة والبائع يخفض سعر بيع القديم إلى درجة المجانية أحيانا.
في “الرومبلي” كان التلاميذ، قبل الدخول المدرسي يعرضون كراتهم ودراجاتهم وحتى أحذيتهم الرياضية للبيع، وينتقل أب العروس فيبيع رث لباس ابنته من أجل أن يشتري لها خاتما أو يحصل على المال الذي يستأجر به فستان فرح ابنته.
يقولون إن لاعبا نشط مع فريق مولودية قسنطينة في زمن تألق هذا الفريق يدعى بن مالك، عندما أصيب بكسر في الساق في إحدى المباريات، وحكم عليه الأطباء بألا يمارس الكرة مدى الحياة، وكان أحد النجوم الكبيرة في زمن فندي وقموح، أخذ حذاءه الرياضي وبدلته الزرقاء والبيضاء وباع أشياءه في سوق “الرومبلي” حزنا على مساره الكروي الذي توقف.
في سوق “الرومبلي” بيعت الأزرار والإبر والأسطوانات القديمة لمحمد الطاهر فرقاني وعيسى الجرموني، وصور شخصيات وطوابع البريد والنقود القديمة، وملاعق وجوارب، بيعت العصافير وخاصة “المقنين”. المهم لا يمكنك ذكر شيء في حياتنا اليومية لم تكن له مكانة في سوق “الرومبلي”.
سواء عاد سوق “الرومبلي” إلى النشاط أم تحوّل تجميده إلى إزالة نهائية، فإن جسور قسنطينة التاريخية، ستروي للأجيال عجائب سوق شعبي عتيق لا يطل على المكان، بل المكان الذي يطلّ عليه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!