سوق السيارات… بين الوفاء للعلامات الأوروبية وإغراء التكنولوجيا الصينية
تكشف جولة في سوق السيارات بسطيف أن العلاقة التي تربط المواطن بالسيارة لا تحكمها القدرة الشرائية وحدها، بل كذلك الاختلاف الواضح في نظرة الجزائري إلى السيارة التي يريد اقتناءها، ويتجلى ذلك بين من لا يزال متمسكا بالسيارات الأوروبية القديمة، ومن يبحث عن مركبة عائلية حديثة بسعر معقول، ومن تجذبه التجهيزات التكنولوجية التي باتت توفرها بعض السيارات الصينية. وبين هذه الفئات، يتكرر مشهد الزوار الذين يتنقلون بين المركبات، ويسألون عن الأسعار وسنة الصنع والحالة الميكانيكية، قبل أن يغادروا من دون إتمام عملية الشراء، في سلوك يعكس التريث وانتظار ما ستؤول إليه الأسعار.
وتبرز الفئة الأولى من خلال أصحاب النظرة التقليدية إلى السيارة، الذين ما زالوا يمنحون الأفضلية لسيارات قديمة من علامات أوروبية، خصوصا بيجو ورونو ومرسيدس، بالنظر إلى ما ترسخ في أذهانهم عن متانة هياكلها وطول عمرها وسهولة إصلاحها وتوفر قطع غيارها. وتلخص عبارة “406 تبقى 406” جانبا من هذه الذهنية، إذ لا ينظر أصحابها إلى المركبة باعتبارها وسيلة نقل فقط، بل باعتبارها سيارة أثبتت، في نظرهم، قدرتها على الصمود لسنوات طويلة.
لكن هذا التمسك لا يعني بالضرورة أن كل سيارة قديمة أفضل من المركبات الحديثة، كما لا يجعل من السمعة التاريخية للعلامة ضمانا للحالة الميكانيكية للمركبة المعروضة. فالعمر، وعدد الكيلومترات، وسجل الصيانة، وحالة المحرك وعلبة السرعة والهيكل، عوامل يفترض أن تدخل في حساب المشتري قبل اتخاذ قراره، حتى لا يدفع ثمن السمعة أكثر مما تستحقه السيارة فعليا.
وفي الجهة المقابلة، تبحث عائلات عن مركبة حديثة نسبيا، تجمع بين المظهر المقبول والراحة والاستعمال اليومي وتكاليف الصيانة التي يمكن تحملها. وإذا كانت ميزانية تتراوح بين 150 و250 مليون سنتيم تمثل، وفق ما يلاحظه متابعون للسوق، سقفا كان بعض المشترين يستهدفونه في السابق، فإن ارتفاع الأسعار جعل عددا منهم يعيد حساباته، فيما يتجه آخرون إلى توسيع الميزانية إلى حدود 250 و350 مليون سنتيم بحثا عن سيارة تمنحهم مظهرا حديثا وتجهيزات أفضل.
السيارات الصينية تخلط الحسابات
في سوق سطيف، التقينا السيد سليمان، وهو زائر يريد اقتناء سيارة مقبولة، فيقول بأنه يملك مبلغ 250 مليون، وهذا المبلغ لا يسمح له بشراء سيارة جديدة بصفر كيلومتر، ولذلك يريد سيارة “نظيفة” وكفى تسهل عليه التكفل بعائلته من دون أن ترهقه بكثرة الأعطاب، والظاهر يقول محدثنا أن القرار صعب للغاية، فهناك حديث عن تراجع الأسعار، وبالتالي تأجيل الشراء هو الخيار الأنسب في الوقت الحالي.
أما الفئة الثالثة، فتتجه أنظارها إلى السيارات الصينية التي باتت تستقطب المهتمين بفضل ما توفره بعض الأنواع من تجهيزات إلكترونية ووسائل راحة لم تكن مألوفة على نطاق واسع في الفئات السعرية نفسها. فإلى جانب الشاشات الكبيرة والكاميرات متعددة الزوايا، تقدم بعض المركبات خيارات مغرية تتحكم فيها التكنولوجيا المتطورة، مثل الحديث مع المركبة وإعطاء أوامر صوتية، والتشغيل من دون مفتاح، وأنظمة مساعدة على الركن، ومقاعد مزودة بخاصيتي التدفئة أو التبريد، وإضاءة داخلية تزيينية، فضلا عن تجهيزات أخرى تختلف من طراز لآخر.
ويجد بعض المشترين في هذه الميزات عاملا جذابا، خصوصا عندما يقارنون ما تقدمه السيارة الصينية من تجهيزات بما توفره سيارة أوروبية أقدم وبسعر مرتفع. غير أن كثرة التجهيزات لا تحسم وحدها قرار الشراء، لدخول اعتبارات أخرى، كتوفر قطع الغيار، وخدمات ما بعد البيع، وتكلفة الإصلاح، والقيمة التي تحتفظ بها السيارة عند إعادة بيعها، وكل ذلك يدخل في الموازنة بين الإغراء التكنولوجي والمخاطر المحتملة.
وكممثل عن هذه الفئة، التقينا الشاب وائل الذي جاء من مدينة برج بوعريريج خصيصا لشراء سيارة صينية، حيث يقول أنه يفضل سيارة صينية جديدة أو سنها أقل من ثلاث سنوات تتميز بتكنولوجيا عالية، فيها خيارات عديدة، ومدعمة بعدة تجهيزات، على أن يشتري سيارة قديمة صالت وجالت في الطرقات لمسافات طويلة ولازال سعرها مرتفعا. ومن المفروض – يضيف وائل – أن التوجه اليوم يكون نحو السيارات الحديثة المدعمة بالتكنولوجيا مثل التي تدخل حاليا من الصين حتى وإن كانت قطع غيارها غالية أو غير متوفرة، فالمعلوم أن هذه المركبات تضمن لك على الأقل مدة 5 سنوات أو أكثر من دون عطب في الحالات العادية.
هل ينتظر المشترون فرصا أفضل؟
وبالتوازي مع اختلاف الأذواق، يلاحظ المترددون على السوق تراجعا في أسعار عدد من السيارات، خصوصا الصينية، بالتزامن مع تنوع العروض وتعدد الطرازات المتداولة. ويقول بائع مختص في السوق، وفق المعطيات التي جُمعت خلال الجولة، إن بعض السيارات الصينية سجلت تراجعات تتراوح بين 40 و80 مليون سنتيم، مع ارتفاع عدد المركبات المعروضة، لكن الانخفاض لا ينطبق بالضرورة على جميع العلامات والفئات بالدرجة نفسها، ويقول هذا البائع أن السيارات الصينية دخلت بشكل ملحوظ إلى الجزائر، وبالتالي هناك منافسة ناجمة عن تنوع العروض، وتغير تكاليف استيراد المركبات ونقلها، فهناك تراجع في تكاليف الشحن البحري، الذي كان له أثره الفعلي على السعر النهائي للسيارة. في حين يرى بائع آخر أن التراجع المسجل في الشحن لا يكفي وحده لتفسير انخفاض كبير في الأسعار، بل في تراجع أسعار المركبات في بلد المنشأ.
وفي السوق، لا يبدو أن انخفاض الأسعار يدفع الجميع إلى الإسراع في الشراء، فعدد من الزوار يكتفي بمعاينة السيارات، وفتح الأبواب، والإطلاع على التجهيزات، والاستفسار عن السعر، ثم الانتقال إلى مركبة أخرى للمقارنة. وقد يكون هذا التريث نتيجة اتساع الفارق بين ما يطمح إليه المشتري وما تسمح به ميزانيته، أو بسبب توقعه مزيدا من التراجع، أو رغبته في التأكد من أن السعر المعروض يعكس القيمة الفعلية للسيارة.
ومع تعدد الآراء، يُجمع البائع والزائر على حقيقة تكمن في وفرة العرض وتراجع في الأسعار، لكن عملية البيع والشراء لا زالت محتشمة.
ومن زاوية مهنية، يرى متعاملون في سوق السيارات أن تقييم الحركة لا ينبغي أن يستند إلى الأسعار المعلنة وحدها، بل إلى مقارنة أسعار المركبات المتشابهة من حيث الطراز وسنة الصنع والتجهيزات والحالة، مع متابعة السعر الذي تتم به الصفقة فعليا. كما أن تراجع سعر سيارة معروضة لا يعني بالضرورة انخفاض القيمة السوقية لكل السيارات من العلامة نفسها، مثلما أن كثرة الزوار لا تعني تلقائيا وجود طلب فعلي قادر على تحويل المعاينة إلى شراء.
هكذا، تكشف الجولة في سوق السيارات بسطيف عن سوق لا تحكمه الأسعار وحدها، بل تتقاطع فيه قناعات قديمة بشأن متانة السيارات الأوروبية، وحاجات عائلية تفرض البحث عن التوازن بين السعر والاستعمال، ورغبة متزايدة في الاستفادة من التكنولوجيا التي تعرضها بعض السيارات الصينية. وبين هذه الخيارات، يظل المشتري حذرا، يقارن ويستفسر ويؤجل قراره، فيما يحاول البائع التكيف مع سوق تتغير فيه العروض والأسعار، ولا تتحول فيه كثرة المعاينة بالضرورة إلى حركة بيع نشطة.