-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

 شدّة على الكفّار ورحمة بالمسلمين

سلطان بركاني
  • 541
  • 0
 شدّة على الكفّار ورحمة بالمسلمين

من السير الناصعة والملهمة التي ينبغي أن تُبرز وتنثر؛ سيرة صحابيّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- أبو دجانة سماك بن خرَشة الساعدي الأنصاريّ –رضـي الله عنه- الذي جمع خلالا من الخير ما اجتمعت في عبد إلا نال العزّ والسّعادة في الدّنيا وظفر بالنجاة والفلاح في الآخرة. ولعلّ أبرز خلتين ارتفع بهما أبو دجانة، أنّه كان فارسا مغوارا ناصرا للحق مستعليا متبخترا على الباطل، قائما في وجه من يعادي المسلمين ويحاربهم، لا يخاف في الله لومة لائم.. وكان في المقابل متواضعا سليم الصّدر لعباد الله المسلمين. أي إنّه بهذه وتلك تمثّل قول الله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)).
عُرف أبو دجانة –رضـي الله عنه- بشجاعته ورباطة جأشه في القتال؛ فكان من المجاهدين المبرّزين، وكان يبلي البلاء الحسن في غزوات ومعارك المسلمين، وقد خطّت كتب السير موقفه في غزوة أحد بأحرف من قوة وعزّ، حين حمل رسول الله -صلى اللـه عليه وسلم- سيفا فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتى قام إليه أبو دجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: “أن تضرب به العدو حتى ينحني”، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه.. وكان من عادة أبي دجانة أنّه يختال ويتبختر في الحرب على المشركين، وكان إذا أخرج عصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل قتالا شديدا؛ فلما أخذ السيف من يد رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- يوم أحد أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين.. كان الزبير بن العوام ابن عمّة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أحد الذين طلبوا من النبيّ أن يعطيهم السيف، فمنعه عنه، فحزن لذلك، والزبير من هو في القتال والبأس والثبات، يروي قصّة هذا الموقف فيقول: “وجدتُ في نفسي حين سألتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- السيفَ فمَنَعَنِيه وأعطاه أبا دُجانة، وقلتُ في نفسي: أنا ابن صفيَّة عمَّتِه، ومن قريش، وقد قمتُ إليه فسألتُه إيَّاه قبله؛ فآتاه إيَّاه وتركني! والله لأنظرنَّ ما يصنع؟ فاتَّبعته، فأخرج عُصابةً له حمراءَ؛ فعصب بها رأسه؛ فقالت الأنصار: أخرج أبو دُجانة عصابة الموت! فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، ولا يرتفع له شيءٌ إلا هَتَكَه وأَفْراهُ. وكان في المشركين رجلٌ لا يَدَعُ لنا جريحًا إلا ذَفَّف عليه، فدعوتُ الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتَيْن، فضرب المشركُ أبا دُجانة؛ فاتَّقاه بدَرَقَته، فعضَّت بسيفه، فضربه أبو دُجانة فقتله”.. فلما رأى الزُّبير رضيَ الله عنه ما فعل أبو دجانة بلمشركين؛ رضيَ وقال: “الله ورسوله أعلم”.
واصل أبو دجانة حملته على المشركين يخترق صفوفهم ويهدّها ويفرِّقها، حتى خلص إلى نسوة قريش. قال -رضيَ الله عنه-: “رأيتُ إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا؛ فصمدتُ له، فلما حملتُ عليه السَّيف وَلْوَلَ، فإذا امرأةٌ، فأكرمتُ سيف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن أضرب به امرأةً”.
ولما دارت الدائرة على المسلمين بعد ذلك في أُحُد، بعد أن نزل الرماة عن الجبل؛ ثَبَتَ أبو دُجانة يدافع عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وجعل من جسده درعا يحمي به رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فجعلت السهام تقع على ظهره وهو منحنٍ على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
ظلّ أبو دجانة سيفا من سيوف الله، لا يشارك في وقعة إلا كان من أسودها.. فكان من أسود غزوة بني النضير وغزوة خيبر ووقعة حنين، حتى كانت السّنة الثانية عشر من الهجرة، بعد عام من رحيل حبيبه المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- إلى الرفيق الأعلى، كان هذا الأسد الضّرغام يقاتل مع جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد جيش مسيلمة الكذاب. أبلى أعظم بلاء ووقف مواقف قلّ أن يقفها رجل قبله ولا بعده، فحين صعب على المسلمين اقتحام حصون جيش مسيلمة، تقدّم أبو دجانة وطلب من المسلمين أن يرفعوه ويلقوا به داخل الحديقة، وهذه مغامرة لا يقدم عليها إلا صاحب قلب عامر بالرغبة فيما عند الله.. ألقي داخل حديقة جيش مسيلمة، وقاتل وحده حتى كسرت رجله، وظلّ يقاتل مكسور الرجل حتى فَتح الباب للمسلمين وأصيب إصابات بالغة، أدركه المسلمون وهو يجود في نفسه، والتفوا حوله، فإذا وجهه يتهلّل كأنّه القمر، فسألوه عن سرّ تلك الخاتمة الحسنة.. فقال: “ما مِن عملِي شيء أوثَقُ عندِي مِن اثنتَين: أما إحداهُما: فكُنتُ لا أتكلَّمُ فيما لا يَعنِينِي، وأما الأُخرى: فكان قلبِي للمُسلمين سليمًا”.
سبحان الله! رغم أنّ هذا الصّحابي يلقى الله شهيدا في سبيله، نحسبه كذلك، والشّهيد منزلته بعد منزلة الأنبياء ومنزلة الصدّيقين مباشرة، لكنّ أرجى عمل عنده وأعظم عمل ادّخره للقاء الله –تعالى- ليس هو جهاده في سبيل الله وأعظِم به من عمل لمن وفّق له، لكنّه يدّخر للقاء الله عملا طالما نستهين بهم نحن المسلمين في هذا الزّمان: ترك الكلام فيما لا يعني وسلامة الصّدر لعباد الله المؤمنين.
إنّه العمل الذي يرفع صاحبه درجات في الدّنيا ويُلقى له بسببه القبول في الأرض والمحبّة في قلوب عباد الله المؤمنين، فما يراه أحد أو يلقاه حتى يرتاح ويبشّ له ويحبّه.. هذا العمل الذي ارتفع به أصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وجاهدوا أنفسهم عليه؛ قال التابعيّ إياسُ بن مُعاوية في وصفِ أولئك الأخيار: “كان أفضلَهم عندَهم أسلمُهم صدرًا، وأقلُّهم غِيبَة”.. ما كانوا -رضي الـله عنهم- يتفاضلون في الأنساب والأحساب ولا في الأموال، ولا في المظاهر والأحوال، إنّما كانوا يتفاضلون بعفّة ألسنتهم وسلامة صدورهم ونقاوة قلوبهم.
كانوا بشرا، لكنّهم عرفوا أنّ صلاح الأحوال والأعمال والأقوال، وصلاح المآل، إنّما هو بطهارة القلوب ونقائها، فكانوا يهتمّون بطهارة قلوبهم وألسنتهم أكثر من اهتمامهم بطهارة أبدانهم وثيابهم.. كانوا يقومون الليل ويبكون ويصومون النّهار ويتصدّقون، لكنّ أرجى أعمالهم كانت سلامة الصّدور ونقاوة القلوب لعباد الله المؤمنين. قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم”.
إنّنا في زماننا هذا أحوج ما نكون لأن نعيد بناء حياتنا وحياة أبنائنا على هذا الأساس المتين؛ توجيه الشدّة والقوة نحو الكفّار والمنافقين، وتوجيه الرّحمة واللين وسلامة القلوب نحو عباد الله المسلمين.. ليس يصحّ أن نحسن الظنّ بأعدائنا المتربّصين بديننا وأمّتنا ونمدّ لهم أيدينا، بينما يسيء بعضنا الظنّ ببعض ويتربّص بعضنا ببعض! يروى عن التابعيّ العَلم إياس بن معاوية المزني –رحمه الله- قاضي البصرة وفقيهها، أنّ أحد جلسائه ذكرا رجلاً بسوء، – فنظر إياس في وجه الرّجل وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا! قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال الرّجل: لم أعُد بعدها إلى عيب أحد من الناس أو غيبته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!