-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
على هامش مشاركته في منتدى الحوكمة العالمية.. الخبير الدولي في الجيوسياسة أرسلان شيخاوي لـ"الشروق":

“شراكة الجزائر والصين تتجه نحو آفاق أوسع.. وشونغان تقدم تجربة جديدة للمدن الذكية”

إيمان كيموش
  • 500
  • 0
“شراكة الجزائر والصين تتجه نحو آفاق أوسع.. وشونغان تقدم تجربة جديدة للمدن الذكية”

مبعوثة الشروق إلى شونغان: إيمان كيموش

لم تعد الشراكة الجزائرية الصينية تقتصر على المبادلات التجارية وإنجاز المشاريع، بل تتجه نحو آفاق أوسع تشمل التصنيع ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للبلدين، وفي هذا السياق، تبرز  مدينة شونغان الصينية باعتبارها تجربة تنموية مهمة تتيح استخلاص دروس في التخطيط طويل المدى، والتحول الرقمي، وربط التنمية الحضرية بالتصنيع وخلق القيمة المضافة، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية الجزائرية.
وفي تصريح لـ”الشروق”، على هامش مشاركته في منتدى الحوكمة العالمية بمدينة شونغان الجديدة في الصين، أكد الخبير الدولي في الجيوسياسة والدبلوماسية أرسلان شيخاوي، أن التحولات التنموية التي شهدتها الصين، ولا سيما تجربة إنشاء المدن الذكية، تقدم مؤشرات مهمة بشأن مستقبل التنمية الاقتصادية والعمرانية، وتعزز فرص التعاون بين دول الجنوب العالمي في مجالات التكنولوجيا والصناعة والحوكمة.
وأوضح شيخاوي، الذي شارك في المنتدى بصفته خبيرا دوليا مستقلا ضمن مجموعة تضم نحو 90 خبيرا دوليا وشخصية سياسية، أن أهمية التجربة الصينية لا تكمن فقط في الإمكانات التكنولوجية التي سخرتها بكين لإنجاز مشاريعها الكبرى، بل أيضا في قدرتها على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، واستمرارية تنفيذ الخطط، وتعبئة الموارد، والتكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وسيشارك الخبير الجزائري في جلسة الاثنين التي تخصص لموضوع بناء نظام عادل ومنصف ومربح لجميع الأطراف لحوكمة المناخ العالمي، حيث يعرض رؤيته بشأن دور الدبلوماسية غير الرسمية والدبلوماسية العلمية والمناخية في تطوير الشراكات الاستراتيجية الدولية، وتعزيز الثقة بين الدول، وتوسيع مجالات التعاون متعدد الأطراف.
واعتبر شيخاوي أن تجربة مدينة شونغان، التي تحولت من منطقة ذات طابع ريفي وزراعي إلى قطب حضري وتكنولوجي حديث خلال سنوات قليلة، تعكس قدرة التخطيط الاستراتيجي على تحويل الرؤى التنموية إلى إنجازات ملموسة، عندما تقترن بتعبئة الموارد والاستمرارية في التنفيذ.
وأضاف أن التحول الصيني يندرج ضمن مسار تنموي طويل انتقلت خلاله البلاد من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي إلى اقتصاد صناعي، ثم إلى اقتصاد رقمي يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والابتكار وشدد على أن أبرز الدروس التي تقدمها هذه التجربة تتمثل في ثلاثة عناصر مترابطة، هي الجهد والبعد الزمني والالتزام، باعتبارها ركائز أساسية لإنجاز المشاريع الكبرى وتحقيق التحولات الاقتصادية والعمرانية.
وأشار إلى أن بناء المدن الذكية لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما يتطلب رؤية واضحة وتنسيقا مؤسساتيا واستمرارية في تنفيذ المشاريع، فضلا عن القدرة على تكييف الحلول مع الاحتياجات المتغيرة، وهي مقاربة تفتح المجال أمام تعاون أوسع بين الدول لتبادل الخبرات وتطوير حلول تتناسب مع أولوياتها التنموية.

الجزائر.. إمكانات وطنية وآفاق جديدة للتكامل الاقتصادي

وبشأن آفاق التعاون الجزائري الصيني، تكتسي التجربة أهمية في ضوء التوجه نحو تعزيز التنويع الاقتصادي، وتطوير الصناعة، وتثمين الموارد الطبيعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني، وفي هذا الإطار، تبرز فرص تطوير شراكات نوعية تربط المشاريع الصناعية والمعدنية بالبنية التحتية الحضرية واللوجستية، بما يدعم سلاسل الإنتاج المحلية، ويعزز تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
كما يشكل إدماج التكنولوجيا الرقمية في تصميم المدن الجديدة وتسييرها مجالا مهما للتعاون، خصوصا في إدارة النقل والطاقة والمياه والخدمات العمومية، وتحسين كفاءة المرافق وتعزيز جودة التخطيط العمراني، وأكد شيخاوي أن الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني استنساخها، بل استلهام عناصرها المنهجية، وفي مقدمتها التخطيط طويل المدى، والتدرج في التنفيذ، والاستمرارية، والقدرة على التكيف، مع صياغة مقاربة تنسجم مع الخصوصيات التاريخية والاجتماعية والثقافية للجزائر.
وتملك الجزائر، في هذا السياق، مقوماتها الاقتصادية والجغرافية والبشرية التي تتيح لها تطوير نموذج تنموي يتلاءم مع أولوياتها الوطنية، ويعزز التكامل بين المدن الجديدة والأقطاب الصناعية والمناطق المنجمية ومراكز النشاط الاقتصادي كما تظل العدالة الإقليمية وتحسين الإطار المعيشي للسكان عنصرين أساسيين في هذا المسار، بما يجعل التنمية الحضرية جزءا من رؤية أشمل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الصين والجزائر.. شراكة قائمة على المصالح المتبادلة

وفي قراءته للتحولات التي يشهدها النظام الدولي، اعتبر شيخاوي أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر براغماتية، تتزايد فيها أهمية تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون في المشاريع الملموسة وأوضح أن الجزائر تواصل التمسك بثوابتها الدبلوماسية القائمة على الاستقلالية وعدم الانحياز، بالتوازي مع تعزيز انفتاحها على شراكات اقتصادية متنوعة، بما يتيح توسيع خياراتها الاستراتيجية وتطوير علاقاتها مع القوى الدولية الصاعدة.
وفي هذا السياق، توقف عند مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحتها الصين، والتي تقوم على مبادئ المساواة في السيادة، واحترام القانون الدولي، والتعددية، ووضع الشعوب في صلب السياسات، والتركيز على النتائج العملية، ويرى شيخاوي أن هذه المبادرة تطرح مجالا للنقاش بشأن تطوير النظام الدولي وتعزيز مشاركة دول الجنوب في صياغة القواعد والمعايير العالمية، بما يضمن حضوراً أكثر توازناً لمصالحها الاقتصادية والتنموية.
وشدد على أن تطوير الشراكة الصينية الإفريقية، بما فيها الشراكة الجزائرية الصينية، يرتبط بتعزيز التعاون الصناعي ونقل المعرفة وتكوين الكفاءات وتطوير القدرات المحلية، إلى جانب المبادلات التجارية والاستثمارات. فالمطلوب هو توسيع مجالات التعاون بما يحقق مصالح الأطراف ويعزز القيمة الاقتصادية للشراكة على المدى الطويل.

إصلاح الحوكمة العالمية وتعزيز التوازن الدولي

وعلى صعيد الحوكمة الدولية، أشار شيخاوي إلى أن التحديات التي تواجه النظام متعدد الأطراف لا ترتبط فقط بالقواعد والمؤسسات، بل تشمل أيضاً تراجع الثقة بين الدول، واختلال التمثيل في الهيئات التي تتولى صياغة القرارات والمعايير الدولية.
وأكد أن تعزيز الثقة يمثل شرطا أساسيا لتطوير التعاون في مجالات المناخ والأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا، داعياً إلى توسيع دور الدبلوماسية غير الرسمية والدبلوماسية العلمية في تقريب وجهات النظر وبناء أرضية مشتركة بين الخبراء وصناع القرار، كما أبرز أهمية إصلاح المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يضمن تمثيلاً أكثر عدالة للقارة الإفريقية، ويتيح لها المشاركة الفعلية في معالجة القضايا المرتبطة بمصالحها ومستقبلها.
وفي مجال المناخ، شدد على ضرورة إقامة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والالتزامات البيئية، مع تعزيز تمويل المناخ ونقل التكنولوجيا النظيفة وتطوير قدرات الدول النامية على التكيف مع التغيرات المناخية، وخلص  إلى أن التحولات الدولية الراهنة تتيح فرصاً لتطوير شراكات أكثر توازناً، شرط أن تقوم على وضوح المصالح وتكامل الإمكانات وتعزيز القدرات الوطنية، كما أكد أن تجربة شونغان تبرز أهمية الرؤية طويلة المدى والالتزام في تنفيذ المشاريع، وهي عناصر يمكن توظيفها في تطوير التعاون الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!