-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شعار “النوفمبرية” لا يكفي دون وقف الاستيلاب الفكري

شعار “النوفمبرية” لا يكفي دون وقف الاستيلاب الفكري
ح.م

اجتاحت القوات الفرنسية الجزائر سنة 1830 وهي تحمل روحا صليبية استئصالية جامحة تبغي من ورائها تدجين الشعب الجزائري ووضع يدها على مقدراتها المادية، وسجل التاريخ منكسرا يومها ارتكاب القوات الفرنسية لأقذر وأسوأ المجازر في حق الشعب الجزائري نموذج ذلك مجزرة قبيلة العوفية سنة 1732 أو مجزرة قبيلة ولاد رياح في الظهرة التي أبيدت بالقتل والحرق ولم تنجو بقعة وطئتها القوات الفرنسية من الدم والدموع، ومالم ترتكبه هذه القوات فإن الأمراض والمجاعات قامت بتنفيذه .وانخفض عدد السكان إلى العشر مما كان عليه قبل سنة 1830.

ورغم الانتفاضات الشعبية المتكررة إلا أن الاستعمار نجح في نهاية المطاف في قمع أي حراك شعبي لتبدأ بعدها المقاومة السياسية عبر الجهود الفردية من خلال بعض النخب الجزائرية التي كانت تظهر هنا وهناك نموذجها الساطع الأمير خالد ثم عبر الجهود الجماعية من خلال الأحزاب والجمعيات.

وبعد مهاترات سياسية عديدة ترجمت في صراع المركزيين والمصاليين قطبي حزب الشعب، انطلقت ثلة من الشباب الجزائري المناضل والمشبع بروح الشعب الجزائري للتخطيط للثورة وظهرت مجموعة 22 ومعها لجنة التنسيق التي أعلنت قيام الثورة الجزائرية ليلة 1 نوفمبر سنة 1954 وأصدرت بيان أول نوفمبر وهو أول وثيقة سياسية تصدر عن جبهة التحرير الوطنية:

والمطالع لبيان أول نوفمبر يجد فيه زخما ثوريا قويا يهدف إلى تجميع كل طاقات الأمة من أجل تحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ واحترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.

وانسجمت مكوّنات وأطياف المجتمع الجزائري مع أهداف هذا البيان بدليل أننا لم نسمع أي صوت يعترض على هذه الأهداف حتى انعقد مؤتمر الصومام حتى حاول بعضهم توجيه بعض مقرراته في اتجاه الانقلاب على الأهداف التي ذكرها بيان أول نوفمبر، ورغم كل ذلك فإن انسجام الجزائريين ظل قائما حتى جاءت أزمة مؤتمر طرابلس في جوان 1962 ثم تبعها صراع الولايات التاريخية وهيمنة جماعة وجدة على الحكم ولم تكن الخلافات يومها تدور حول محتوى بيان أول نوفمبر إنما كانت حول السيطرة على الحكم.

ويتولى الحكم الرئيس أحمد بن بلة لمدة ثلاث سنوات مبرزا التوجه العروبي لنظام الحكم، وجاء بعده الرئيس هواري بومدين الذي كان استمرارا لحكم الرئيس بن بلة في الجوانب الإديولوجية مع ديناميكية اقتصادية أكبر تصب في صالح الطبقات الشعبية الفقيرة مجسدة فكرة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية.

وما هي إلا 13 سنة حتى سقط الرئيس بومدين ضحية لعملية تسميم ممنهجة. ويتولى بعده الرئيس الشاذلي بن جديد الحكم حيث حافظ على الجانب الإيديولوجي من بيان أول نوفمبر لكنه زينه بمسحة انفتاحية اقتصاديا تساير موجة الانفتاح الاقتصادي التي ضربت العالم العربي بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر حتى أننا وجدنا أن ما كان يحدث في الجزائر آن ذاك هو استنساخ كامل لما كان يحدث في مصر مثل غض الطرف عن نشاطات تيارات الإسلام السياسي ودعم التوجهات الليبرالية في الجانب الاقتصادي ما أنتج سوء توزيع للثورة وظهور طبقة رأس مالية طفيلية.

ومع نهاية التسعينيات جاء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة طبقا لتوازنات معينة، إلا أن جناحا من هذه الأقلية استطاع أن يزيح الجناح الآخر ويستفرد بالقرار السياسي، ما جعل الجزائر القارة تتحول إلى مزرعة خاصة لتظهر بعدها فضائح الفساد المالي، الأمر الذي جعل الشعب الجزائري يخرج إلى الشارع في أكبر مسيرات شعبية مليونية سلمية عرفها التاريخ وكان لعصب السلطة دور كبير في تهيئة الأجواء لانفجار الغضب الشعبي عبر ما كان يسرب من خفايا، كما حاولت الأجنحة الإديولوجية المتموقعة في مفاصل السلطة استغلال الحراك الشعبي لضمان استمرار هيمنتها على القرار السياسي الجزائري.

وعندما تواجه ببيان أول نوفمبر الذي يعتبر الوثيقة المرجع لإديولوجية الدولة الجزائرية فإنها تزعم أن مقررات مؤتمر الصومام قد نسخته. وكان لفرنسا اليد الطولى في دعم هذه الأقلية حتى أنه أصبح الآن في حكم المؤكد ومن خلال الوثائق أن أحد أساطينها التي آلت إليه أمور الشأن الجزائري كلها بعد توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 كان يتخذ قراره بالتنسيق التام مع جهاز المخابرات الفرنسي.

ولما انطلق الحراك الشعبي في 22 فيفري 2019 رافضا العهدة الخامسة للرئيس المقعد أصيبت فرنسا بالدهشة والارتباك، ولما طال زمن الحراك اخترقت بعض الأطياف السياسية.

وأغرب ما في التجربة الجزائرية أن بعض الأطياف السياسية التي كانت ضحية لهذه الأقلية الإديولوجية في مطلع التسعينيات هي نفسها التي تمنحها زخما شعبيا اليوم، الأمر الذي يدعو الشعب الجزائري للانتباه حتى لا يختطف وعيه مرة أخرى باسم الدين.

لقد عملت الأقلية الإديولوجية في المرحلة البوتفليقية على شنّ حملة مركزة على كل ما يمت للمبادئ الإسلامية بصلة وعلى تشجيع اللغة الفرنسية حتى تنشأ أجيال لا تتعامل باللغة العربية ما يجعلها تتوجه مضطرة نحو الضفة الشمالية. ومن أعجب ما رأيناه في المطارات الجزائرية اضطرار السياح والعمال العرب إلى كتابة بياناتهم الشخصية بالفرنسية التي لا يحسنونها وكأنهم في بلد غير عربي.

إن معركة الجزائريين الإديولوجية اليوم لا تقل أهمية عن حرب التحرير الكبرى لأنها معركة وجود. وإن كسب هذه المعركة يحتم الالتفاف حول بيان أول نوفمبر مرة أخرى باعتباره الوثيقة المرجع التي جندت الشعب الجزائري حتى حقق استقلاله السياسي ولأن المعركة المحتدمة اليوم في الجزائر معركة وجود بين توجهين، الأول توجه عربي إسلامي إفريقي، والثاني توجه غربي فرنسي علماني، وإن رفع شعار النوفمبرية لا يكفي وحده ما لم يتوج بحملة مركزة لتجفيف منابع الاستلاب الفكري والانطباع بكل ما هو فرنسي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!