-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شهيد ربع الساعة الأخير

عمار يزلي
  • 892
  • 0
شهيد ربع الساعة الأخير

عندما وقعت اتفاقيات إيفيان، وسرى وقف إطلاق النار، ابتداء من الساعة 12 من ظهر يوم 19 مارس 1962، لم يكن الشهيد جلولي ميسوم، الملقب “سي مناد”، الضابط بجيش التحرير بمنطقة تيارت/ الرغاي، آخر شهيد قبل وقف إطلاق النار فحسب، أو كما يقال بالفرنسية: “شهيد ربع الساعة الأخير” فقط، بل كان آخر ضابط يتمنى الشهادة فيحصل عليها قبل ربع ساعة من زمن وقف إطلاق النار.

لقد كان سي مناد ترك البيت والتحق بالثوار بعد أن ضبط العدو مشاركته كعضو اتصال وناشط وطني في حزب الشعب. لقد ترك زوجة في مقتبل العمر وطفلتين وأخرى في البطن، لم يرهما منذ ذلك الحين.. أكثر من خمس سنوات مرت، قبل أن يقرر أخيرا مقابلتهن.. فلم يرهن أبدا.

لقد أجبرت الزوجة، أمام تكالب عصابات الاحتلال عليها كل مرة، منذ أن ضبطت وهي تخفي جنودا في بيت زوجها ورمت بكل الخراطيش جهلا، في الموقد لإخفاء الآثار، وراحت الخراطيش تتفرقع في الموقد محدثة دويا بات شاهدا على تواطئها مع زوجها ومع الثوار. ضُربت وركلت وسُحلت على الأرض وهي حامل بابنتها جميلة، التي رحلت قبل نحو 10 سنوات. قاومت كاللبؤة، وانتهى بها الأمر إلى أن رحلت عن تيارت باتجاه بيت والدها في غيليزان. لكن العسكر كان في أعقابها، معتقدين أنها التحقت بزوجها، المبحوث عنه. لهذا، كان على الجبهة أن ترحّل السيدة فاطنة إلى وهران.. حيث الاحتماء بمناضلي الجبهة.

في وهران، تحولت إلى حاملة قنابل في قفتها.. وساهمت في أكثر من مرة بنقل الأسلحة إلى الفدائيين، وكانت وراء عدة عمليات في المدينة الجديدة بوهران. بقيت تتنقل من بيت إلى بيت مع بناتها الثلاث، بعد هربها من متابعات الجيش الفرنسي ومخابراته، إلى أن جاءها اتصال من الجبهة، يطلب منها فيه أن حضّري نفسك للسفر مع بناتك من أجل مقابلة زوجك بتيارت: كانت المناسبة اقتراب وقف إطلاق النار.

سافرت الزوجة والبنات لرؤية الأب والزوج.. ووصلن… لكن متأخرات بسويعات.

يوم 18 مارس، قبل يوم واحد، وليلة واحدة، كان سي مناد رفقة ثلة من رفقائه يجتمعون للتحدث عن وقف إطلاق النار ويوم الانتصار. كان هو من قال لهم: “تمنيت أن أزف شهيدا وأن يزف للجزائر استقلالها، وألا أكون حاضرا.. إلا شهيدا..”. لكن، شاء القدر أن تتسرب معلومة إلى العسكر الفرنسي، وتقوم كتيبة بقيادة قبطان، بمهاجمة الخيمة في منطقة الرغاي، التي كانت تضم جلولي ميسوم ورفقاءه الثلاثة.

نحو 20 دقيقة من تبادل إطلاق النار بين الطرفين، انتهى، في الأخير، إلى استشهاد الثلاثة.. وكانت الساعة 12 بالضبط: تاريخ وقوف القبطان الفرنسي على حالة الشهداء. قدم التحية العسكرية للشهداء، وأمر بإعادة السلاح إلى جثامين الشهداء.. واحترام وقف إطلاق النار، بعد هذا التوقيت.

رحل سي ميسوم ولم ير زوجته ولا بناته.. ولم يرينه…

بوهران، لا تزال الحاجة فاطنة، تعاني من تاريخ مريض تطلب العافية بعد التعب..

قبل شهر فقط.. أعيد دفن جثامين الشهادء، ومعهم جثمان سي مناد.. بروضة الشهداء بتيارت.

رحم الله شهداء النصر.. في عيد النصر..

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!