عزّة الفلسطيني وذلُّ الصهيوني!
رغم محاولاته الظهور بمظهر المنتصر، بات العالم يُدرك أن مُمَثّل الكيان الصهيوني أصبح منبوذا، لا يرغب في رؤيته ولا لقائه ولا مصافحة يده الملطَّخة بالدماء أحد، وحتى وإنْ زَعَمَ أن هناك مشروعا للسلام يجري الإعداد له في شرم الشيخ، حتى وإنْ مَنَّى النّفس بأن هذا المشروع سيُقبِر القضية الفلسطينية ويُمكِّنه من تحقيق أوهامه الزائفة بالقضاء على المقاومة في فلسطين، فإنه يكفيه التمعن في إرادة الأسرى المُحرَّرين وتصريحاتهم وإصرارهم على مواصلة النضال، ويكفيه النظر إلى غياب قوى كبرى عن لقاء “شرم الشيخ” الأخير، مثل الصين وروسيا وتمثيل قوى أخرى بأدنى مستوى لها، لِيعلم أن اتكاءه على عكاز الأمريكي لن يكفيه للحفاظ على توازنه والبقاء طويلا في المستقبل… كل ما يبدو له اليوم “انتصارا”، هو في الواقع مقدِّمة لما سيلحقه من هزائم كبرى في المستقبل القريب. لقد أصبح كيانه المتصدّع داخليا منبوذا في العالم، رمزا للهمجية والدكتاتورية والظلم والاعتداء على المستضعَفين من الأطفال والنساء، ورمزا للاستقواء بالمتطرِّفين من ممثلي الصهيونية المسيحية في أمريكا وبقية العالم، في حين أصبحت الدولة الفلسطينية الناشئة من رحم المعاناة، العزيزة بشعبها، القوية بمقاومتها، رمزا للحرية في القرن الحادي والعشرين، وأصبح شعبها عنوانا للصمود والتضحية بكافة صورها من أجل الدفاع عن الأرض والكرامة والاستقلال…
لقد انقلبت الموازين بعد معركة “طوفان الأقصى” لصالح الفلسطيني صاحب الحق، وضد الصهيوني الظالم المستبِد، مجرم الحرب المفتخر بالإبادة والتجويع، ولم تعد تكفي صورة النصر الزائفة التي بات يصنعها الإعلامُ الأمريكي له، لكي تجعله يَطمئن على وجوده في المستقبل، بل وحتى تلك الصورة عن العالم العربي والإسلامي التي يسعى الكيان الصهيوني لرسم معالم مستقبل “الشرق الأوسط الجديد” كما يُسمِّيه من خلالها، ليست أبدا كما يُروِّج له؛ فتركيا كانت الرافض الأول لقدوم المجرم نتن ياهو إلى شرم الشيخ، وإيران بعيدة كل البعد عن رغبات واشنطن في الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وقطر لا يُنتَظر أن تقبل بذلك بعد العدوان الأخير عليها، وكثيرٌ من الدول خفَّضت تمثيلها في القمة، بما يعني أن هناك بداية تحوُّل غير مُعلَن فيما يُعرَف إعلاميا بالدول الصديقة للولايات المتحدة وللكيان.
من جهة أخرى، بيَّن تلاعب الاحتلال الصهيوني بقوائم الأسرى المفرَج عنهم، ومنعه إطلاق سراح آخرين من كبار القادة والزعماء، خوفه من أن تتمكّن هذه الرموز من توحيد الصف الفلسطيني على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المعترف بها رسميا من قبل الغالبية الساحة من دول العالم، وهو لا يدري أنه بهذا السلوك يكون قد زرع من جديد بذور معركة “طوفان أقصى” أخرى ستكون أشد عليه من الأولى ولن تتوقف حتى تحقيق هدف الاستقلال المنشود.
نرى ذلك في نبرة الأسرى المُحرَّرين، وفي إيمانهم التَّام بأنهم سَيكونون هم أيضا سببا في الإفراج عمَن بَقي من إخوانهم في السجون.
لخَّص ذلك الأسير المُحرَّر أيهم كممجي أحد أبطال نفق الحرية الذي قال عند إعادة أسره بعد عملية الفرار الشهيرة الناجحة عبر النفق يوم السادس من سبتمبر 2021 “كما خرجنا من تحت الأرض سوف نخرج من فوق الأرض”، وها هو اليوم يُحرَّر من جديد ويقولها بافتخار وكما وعد بها: “خرجنا من فوق الأرض ورغمًا عن أنف المحتلّ والسّجان”… ويضيف: “سيخرج الأسرى المتبقون عزيزين ذالِّين عدوّهم مثلما ذلوهم اليوم.. رأينا الذل اليوم تحت أعينهم”!
كل هذه ليست سوى بعض الصُّور الرمزية لما بعد وقف حرب الإبادة على غزة، ولِمخرجاتها السياسية والأمنية، تدلُّ جميعها على أن الاحتلال، وفي كل الحالات إلى ذل وزوال، ودماء الشهداء لم ولن تذهب هدرا.