-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عللُ الدول الصناعية الكبرى

عللُ الدول الصناعية الكبرى

إن النظر إلى الجانب الاقتصادي للأزمة مفصولا عن السياسي منه لا يمنح رؤية متكاملة، فما بالك بنواح أخرى لا تُذكر البتة وهي سر التحولات الحاضرة كلها. إذا كان المستهلِك الغربي هو من سيدفع كل هذه الارتفاعات الجنونية في الأسعار، فلماذا لا تتحمل حكوماته النصيب الأوفر منها وهي التي جنت سياساتها “الاستغلالية” لثروات المشرق عقودا طويلة عليه؟ بمعنى أن الدفع نحو المصالحة الحضارية والتسليم بحق الشعوب الأخرى في امتلاك ثرواتها والاستفادة منها هو الحل الأمثل والأقصر للخروج من هذه المعضلة الخانقة وحماية الأسواق الأوروبية من الاضطراب ومن ثم نمط العيش الغربي الآيل إلى التدهور والفقر والمجاعة على المدى المنظور.

ثم ما أسهل الحديث عن العودة إلى الطاقة النووية، والواقع يقول إن جل اليورانيوم المستخدم في المحطات النووية الفرنسية مصدره من النيجر، فأين تقف دولة النيجر اليوم يا ترى؟

توفير مبلغ يربو على أربعين مليار دولار يمكن للسلطة الفرنسية أن تؤمِّنه عبر الاقتطاعات ولكنه لن يحل المشكلة المزمنة في هذا البلد، إنها تأخذ للعرض من الطول أو للطول من العرض وتظن بأنها تزيد في المساحة، هذا إذا لم تكن قدماها تغوصان في الرمال من دون أن تشعر، لأن المشكلة كلها في الفائدة المضمونة على الديون، وفي نظام الحكم القائم على الغش والاستغلال، وإن كان قادما من صناديق الاقتراع التي تمجّد الشعب، الذي لا يعي جيدا أين مصالحه الحقيقية. والدليل “مارين لوبان”، التي تطمح للرئاسة الفرنسية وساقاها تنتظران تركيب السوار لأنها سرقت أموال الأوروبيين ثم تنظر بالعدالة. يا لها من دولة عظمى!

هل حل أزمة الطاقة الأوروبية في التقشف وترشيد الاستهلاك لتجاوز هذا الشتاء الصعب فقط؟ وماذا عن الفصول والسنوات اللاحقة؟ هل سيبقى العالم محنطا على أزمات صنعها بعضه بيديه؟ ليس الحل في هذا الاتجاه أيها الغربيون! إن العودة إلى التفاهم ولغة العيش المشترك والتعاون في ظل الاحترام وعدم الاستغلال هو السبيل الوحيد المستدام لتكمل الإنسانية حياتها على الأرض بشكل طبيعي. ولا بد من طرح أسئلة تتجاوز توصيف الأزمة والبكاء عليها، إلى أسئلة أخرى وجودية أكثر عمقا، كالسؤال عما فعلته أوروبا في العالم كي تجني هذه المآزق القاسية؟ وماذا فعل مورِّدوهم الخليجيون كذلك لتتوقف إمداداتهم أو تكاد؟ وما هو المطلوب فعله من المصدِّرين والمورِّدين على حد سواء للخروج من الانسداد الحالي؟

لقاء وزيري خارجية ألمانيا وروسيا على هامش اجتماع الجمعية العامة يشبه رغبة زوجين متخاصمين في الرجعة إلى بيت الزوجية ولكن بعزة نفس، فيتدثر الألماني خلف أزمة الغذاء في دول الجنوب التي لم يشفّ حالها القارة العجوز من قبل، والروس يترفعون عن المصالحة ظاهرا بحجة ألا جديد فيها ولكنهم يقبلون اللقاء. إن تدحرج الخصومة إلى الطلاق البائن بينونة كبرى وما يترتب عليه من حرب ضروس خيار لا يطيق كلفته أحد، والعودة إلى السلام والتعاون خيار استراتيجي لهما وللعالم. ولكن من هو الذي وضعهما في هذا المأزق الصعب وسدّ عليهما خط الرجعة وهما أمام جرف هار؟ ولماذا عجزا عن حفظ خط الرجعة ابتداء؟ وما علاقة ذلك بالقوة الكونية التي لديها قوانينها الصارمة في تصريف الأيام بين الناس؟ هل هي جريرة فسادهم في الأرض؟ أم هي أعمار الدول التي ستنهي لا محالة؟ أم هو ”البديل” القادم عنهما والذي سيرث الأرض من بعدهم؟

هذه ورطة حقيقية لروسيا ولأوكرانيا وللغرب، يتدافعون نحو فوّهة البركان المتفجر ويدعون غيرهم من الدول إلى محرقة مؤكدة، إنه نذير شؤم على هذه الشعوب التي يقودها عسكريون يتنافسون على استخدام الأسلحة التي تفني الحياة البشرية ولا يملكون شيئا غير ذلك. السياسيون يعملون وراء العسكريين، والجميع غافل عما يدبّره لهم القدر جراء تغافلهم عن تعاليمه السمحة، التي تدعو إلى التآخي والسلام في ظل عبودية تامة له سبحانه.

هذا هو الفرق الحقيقي بين الفتح والاستعمار؛ الفتح عطاء والاستعمار استغلال، هداية ربانية بآيه الكريم أو هدية مسمومة بمنجم لم يستفد أهله منه شيئا، وتحية لأهلنا المنفيين من الجزائر إلى كاليدونيا الجديدة، قبل أكثر من مئة عام وهم يذوقون طعم الهدايا الملغومة ولا نزال نحن نذوقها أيضا في كل مناحي الحياة. إنها الرأسمالية! الجشعة بطبعها ولا رحمة فيها. ثم أيهما خير؟ وعليك أن تختار بين العيش في ظلها أم في ظل نظام يأخذ 2.5 % من أغنيائهم وترد على فقرائهم؟

سمعنا بأن أوروبا انتهجت في نهضتها طريق العلم منذ عصر التنوير، فكيف أوصلها “العلم” إلى هذا الطريق المسدود؟ وماذا عن استثماراتها الضخمة في الأسمدة الكيميائية وبيعها للدول التي لا تزال أراضيها حيّة كما خُلقت؟ هنالك حلقة مفقودة في الموضوع، كل هذا الجمال الطبيعي الأخاذ وهذه العمارة المكتملة الأركان في فنلندا يتهددها الفناء قبل أن تفنى! أهكذا خُلق الإنسان على الأرض ليحيا؟ الإنسانية افتقدت معنى الحياة الحقيقية وهي بحاجة لإعادة البحث عن معنى آخر مختلف تماما، معنى يعيش في الناس بسلام وسعادة، ولا يكون المال فيه هو مبلغهم من الحياة.

إني أرى النساء الأربع من اليمين المتطرف وهن محجبات أجمل منهن وهن متبرجات بزينة. فسبحان الله! أسأل الله لهن الهداية من هذا الضلال الذي يحرضهن على الاستهزاء بآيات الله. “الله نور السماوات والأرض”، فهو مصدر الأنوار كلها، وهو أقرب إلى الكوبيين من أي مصباح على وجه الأرض. ولكنهم لا يبصرونه! أسأل الله تعالى أن يأخذ بأيديهم إليه، وينقذهم من ظلم الجيران!

المعمِّرون ليسوا في اليابان وحدها، يبدو ذلك كأنه امتيازٌ خاص بهم والأمر ليس كذلك، ولعل السبب في ذلك أن أفراد هذا المجتمع يحظون بالعناية والمتابعة بما لا يحظى به معمرون آخرون موجودون على قيد الحياة ولكن لا يعرفهم إلا ذووهم. بعبارة أخرى إن سر طول العمر ليس في المستوى الراقي للمعيشة، لأنها متوفرة في اليابان لدى المعمرين ولدى غير المعمرين، فلماذا طال عمر بعضهم وقصُر طول عمر الباقين؟ إن القدر وحده هو من يحدد عمر الإنسان كما يحدد جنسه ولونه وأصله ورزقه وخاتمته أشقي أم سعيد.

هنالك منهجيةٌ واحدة في مقاربة هذا الموضوع في كل المجتمعات الإنسانية، ما هو معدل الأعمار بينها جميعا؟ إذا كانت بين الستين والسبعين، فكم من الناس يتجاوزون السبعين؟ وعلى ذلك الأساس تقاس نسب المعمرين بين مجتمع وآخر مع لزوم توفر كل المعطيات العمرية في مجتمعات المقارنة، وهذا صعبٌ تحققه لغياب البيانات أحيانا وحجبها أحيانا أخرى.

وفي اليابان لا يختلف مستوى الحياة المعيشية عنه في الدول الصناعية الأخرى، على أن الطعام في كل هذه الدول ملوَّثٌ ولا يصلح لبناء جسم سليم معافى من الأسقام، كما أن هناء العيش بالتوكل والرضا والتسليم بالأقدار خيرها وشرها من عقائد المسلمين الأساسية. والأهم في هذا الأمر لم يُذكر، وهو ارتفاع عمر كثير من اليابانيين مع قلة الولادات في المجتمع، فلننظر كيف تعطي الأقدار من جهة وتأخذ من جهة أخرى. ويشبه الاهتمام بعدد من بلغ المئة أو تجاوزها الاهتمام بعدد من وُلد، فغزة مثلا تشبه اليابان في هذا ولكن بالمعكوس.

هذا هو الفرق الحقيقي بين الفتح والاستعمار؛ الفتح عطاء والاستعمار استغلال، هداية ربانية بآيه الكريم أو هدية مسمومة بمنجم لم يستفد أهله منه شيئا، وتحية لأهلنا المنفيين من الجزائر إلى كاليدونيا الجديدة، قبل أكثر من مئة عام وهم يذوقون طعم الهدايا الملغومة ولا نزال نحن نذوقها أيضا في كل مناحي الحياة. إنها الرأسمالية! الجشعة بطبعها ولا رحمة فيها. ثم أيهما خير؟ وعليك أن تختار بين العيش في ظلها أم في ظل نظام يأخذ 2.5 % من أغنيائهم وترد على فقرائهم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!