عملية استرجاع أموال الشعب لتسليح الثورة
في تاريخ الجزائر المعاصر عموما وتاريخ ثورتنا المجيدة خصوصا هناك أيام لا يمكن ان تمحى من الذاكرة، بل تعتبر مفصلية ومحورية ويمكن التأريخ بها، ولهذا وجب علينا كمؤرخين أن نسلط عليها الضوء للأجيال المتعاقبة تخليدا لمآثر رجال صنعوا التاريخ وخلّدوا اسم الجزائر، وحتى يعرف القاصي والداني أن الجزائر عبر التاريخ كانت قوتها في وحدة أبنائها وفي إصرارهم على العيش في كرامة مهما كلّفهم ذلك من ثمن ، ويعتبر 05 أفريل 1949 أحد هذه التواريخ التي سجّلت نضال الجزائريين بأحرف من ذهب، نضال ثلة من الشباب آمنوا بالجزائر وطنا لكل الجزائريين وأن فرنسا طال الزمن ام قصر مآلها إلى زوال، كان هذا التاريخ أول حرف يخطه الجزائريون في صفحة الحرية وأول مسمار يدق في نعش الاستعمار.
بدأت القصة بتأسيس المنظمة الخاصة شهر فيفري 1947 وعنوانها الكبير تحقيق الظروف المساعدة لإعلان الثورة المسلحة، لذلك عمل اعضاؤها على ان يكونوا نواة لجيش مسلح، وفق نظام يضاهي الأنظمة العسكرية في التجنيد والانضباط والتكتيك، ففي فترة قصيرة وصل عدد منتسبيها إلى ما يربو عن الـ1200 عضو، تلقوا تكوينا عسكريا في حرب العصابات، ولما اشتد عودهم انتقلوا من التنظير إلى التطبيق، ساعين إلى تحقيق عدة أهداف، من أهمها التاكد من مدى جاهزية أعضائها لخوض غمار الثورة، وكان احسن اختبار هو تنظيم عملية الهجوم على بريد وهران الذي كان بالنسبة لأعضاء المنظمة الخاصة أكثر من عملية هجوم، بل هو اعلان عن ثورة سنتفجر آجلا ام عاجلا…
استشارة القيادة السياسية للحزب في العملية:
يذكر محمد عباس في كتابه “رواد الوطنية” أن قيادة المنظمة الخاصة استشارت قيادة الحزب للقيام ببعض العمليات النوعية لاختبار كفاءة اعضائها وقد أذنت لها بصعوبة، ويؤكد بن بلة هذا الكلام قائلا “بأن القيادة قبلت على مضض اقتراحهم القيام بالعملية” ، فكانت عملية الهجوم على بريد وهران أهم هذه العمليات لما تكتسيه من أهمية بالغة سواء في الوقوف على قدرة المنظمة في المواجهة المباشرة، او معرفة بعض نقاط ضعف العدو في مثل هذه المناسبات، والأهم هو الحصول على المال لشراء السلاح استعدادا ليوم الفصل من دون أن ننسى أن هذا المال هو جزء صغير من أموال الشعب التي نهبتها فرنسا وبالتالي فلا تعدو العملية أن تكون استرجاعا لحق مغتصب. فحسب حسين آيت احمد “أن البنوك ومكاتب البريد الفرنسية كانت مملوءة بأموال جمعت من عرق وبؤس مواطنينا”. فالبريد والبنوك يكتسون طابعا رمزيا بالغ الأهمية؛ ضف لمهام البلدية والمدرسة، حيث يشكلون أحد الرموز الكبيرة التي تظهر في كل مكان لترسيخ الوجود الفرنسي في الجزائر.
تذكر المصادر التاريخية، خاصة ممن شاركوا في العلمية أمثال آيت احمد، بن بلة، امحمد يوسفي، محمد علي خيضر، وغيرهم أن اختيار توقيت تنفيذ العملية كان في أول الأمر في بداية مارس 1949، لكن حدثت مشاكل أجلت تنفيذها، حيث جاء في شهادة محمد علي خيضر (سي صالح) أن بعض الارتباك بدا على فرقة الكومندوس المكلفة بالعملية بعد أن تعطلت السيارة التي تم اختطافها واستجواب صاحبها من طرف الشرطة ورغم أنه لم يقدم أي معلومات باستثناء أن الخاطفين عاملوه معاملة حسنة، إلا أن حسن التقدير كان تأجيل العملية وليس إلغاءها وتم تقديم تقرير إلى قيادة المنظمة الخاصة التي أجلت العملية إلى الإثنين الأول من شهر أفريل 1949، ويعود اختيار الاثنين الأول من الشهر إلى أن البنوك كانت تتلقى الأموال الخاصة بالرواتب وغيرها من العمليات البنكية في هذا التاريخ.
وفعلا بدأ الترتيب الفعلي للعملية بعد ذلك باختيار فريق جديد من أعضاء المنظمة ومن أبناء المنطقة، حيث تكون من: احمد بوشعيب، سويداني بوجمعة،حداد عمر، سي قدور الوهراني، عمر لورجيوي، محمد علي خيضر، النائب محمد خيضر لنقل الأموال بسيارته.
أما بالنسية لتنفيذ العملية فقد تم اختيار يوم الاثنين الأول من شهر افريل كما سبق الذكر، وحتى لا تظهر العملية على أنها من تنظيم الحزب، تم تمويهها على أنها اغتصاب مسلح، حيث جاء في مذكرات بن بلة “لقد نظم الهجوم بعناية كبيرة، ولكي نحول شكوك البوليس عن مناضلينا قررنا أن نعطي للقضية هيئة عملية اغتصاب مسلح Hol -up نظمه بيير المجنون Pierre le fou، الذي كانت مآثره في ذلك العهد تملأ الصحف، فاخترنا كمنفذين للعملية جزائريين شقرا وكسوناهم على النمط الأوروبي وأمرناهم أن يتحدثوا باللهجة الباريسية”.
بدأ تنفيذ العملية:
قبل اليوم المحدد، قام المناضلون بإجراء بعض التدريبات ومنها كيفية تعبئة الأكياس في أقل وقت ممكن، كما تم ضبط مراحل التنفيذ وتقسيم الأدوار، بعد الانتهاء من جميع التحضيرات وأخذ جميع الاحتياطات، تم الانتقال إلى التنفيذ، حيث كانت العملية كما يلي:
توفير السيارة التي تقل الفريق الذي ينفذ العملية، حيث قام محمد علي خيضر رفقة آيت أحمد بجولة استطلاعية في مدينة وهران لاختيار السيارة الأمثل للعملية، وقد وقع الاختيار على سيارة الطبيب بيير موتييه من نوع سيتروان 15 كانت مركونة أمام عيادته، فتم تسجيل رقم هاتفه والاتصال به من احد مكاتب البريد، وكانت الخطة تقتضي أن يتم نصب كمين للطبيب باستدعائه لعلاج احد المرضى، تم اصطحاب الطبيب إلى أعالي قمبيطة، أين قام كل من محمد علي خيضر (سي صالح) وبوشعيب بربطه تحت حراسة المناضل ابن عون بن زرقا وأخذ سيارته ويطلق سراحه بعد انتهاء العملية.
بدأت العملية صباح 05 أفريل 1949 حسب شهادة احد الفاعلين وهو محمد علي خيضر (سي صالح)، حيث يقول: ”أنه في تمام الساعة السادسة و10 دقائق توقفت بالسيارة عند مدخل مصلحة التلغراف، وكان بقية العناصر في الموعد، (كانت مهمته تمويهية)، حيث دخل مسرعا من دون توقيف محرك السيارة، الهدف من ذلك هو ارسال رسالة من صفحة كاملة إلى مصنع أقمشة في غلاسكو ببريطانيا والهدف من ذلك هو تلهية العامل بالبرقية لتسهيل عملية دخول باقي الأعضاء “.
وهكذا بدأ البقية في الدخول الى الغرفة الخاصة بالأموال ولم يلتقوا في طريقهم إلا بعاملة النظافة، بوشعيب ثم سويداني يليه حداد عمر ولورجيوي رابح وسي قدور الوهراني، وعند انتهاء العامل من كتابة البرقية طلب المقابل المالي الذي بلغ حوالي 10 فرنكات قديمة، تحجج سي صالح بأن النقود في السيارة وسوف يذهب لجلبها، في هذه اللحظات كان زملاؤه الذين سبقوه قد بدأوا بالعودة محملين بما استطاعوا من الأموال التي كانت في المكتب.
أما عن أجواء الاستيلاء على الأموال، فالهدف كان الخزنة الكبيرة التي كانت تحتوي على ما بين 40 إلى 50 مليون فرنك، في هذه اللحظات وجدوا الموظفين يعدُّون الأوراق النقدية حول طاولة، فبدأ الكومندوس يفتحون الباب ويصرخون: “ارفعوا أيديكم! لا تتحركوا!”. ونظرا لعنصر المفاجأة فقد أغمي على الرجل الكبير، لكنهم وجدوا مقاومة من الشاب الذي بدأ يصرخ “لص! مساعدة!”. وهنا بدأ الصراخ والضجيج مما اضطر أعضاء الفريق إلى المغادرة، مكتفين بما غنموه من أموال.
اضطر أعضاء الفريق إلى الانسحاب، مكتفين بالمبلغ الذي غنموه والذي قدر بحوالي 3 ملاين فرنك، بعد ذلك التقى الأعضاء في فيلا في حي قمبيطا كانت مؤجرة لذات الغرض ليفترقوا بعدها ويبقى سي صالح وحده لإتلاف كل ما له علاقة بالعملية.
موقف السلطات الاستعمارية من العملية:
لم تكن السلطات الفرنسيية تتوقع أن العملية هي من تدبير المنظمة الخاصة التي كانت تنظيما سريا إلى غاية تلك اللحظة، كما لم تكن تتوقع أن يقود حزب الشعب مثل هذه العمليات وهو الذي انخرط في العملية السياسية منذ 1947 بالمشاركة في مختلف الانتخابات بعد ما كان يعارضها في السابق، ويؤكد هذا الكلام ما صدر في جريدة l’écho d’oran الصادرة بتاريخ 06 أفريل، أي بعد يوم من عملية الهجوم، حيث جاء في الصفحة الأولى من الجريدة مقال معنون بـ” “TANDIS QU’ORAN S’EVEILLE : Mitraillette au poing, des bandits coursaient la Poste, des
caissiers”.
حيث جاء في المقال: ”يوم الخامس من أبريل 1949 في مدينة وهران هاجم مسلحون بنك البريد، سرقوا 3 ملايين فرنك، لكن أنقذوا 33 مليون فرنك”، وقد ذكرت الجريدة تفاصيل عن إصابات وعن الضحايا والمشتبهين. وقد اعتبرت الصحيفة أن الهجوم كان فاشلا كون “العصابة” لم تستطع اخذ الأموال التي كانت في الخزنة والمقدرة بـ33 مليون فرنك، اضافة إلى اطنان من الذهب والفضة كانت في الخزنة الفولاذية، كما نوهت الجريدة بشجاعة الصرافين وعمال المكتب الذين قاوموا المهاجمين مما أوقع بعض الجرحى.
نتيجة الهجوم على بريد وهران:
إن كاتب المقال وحتى الشرطة في تحليلهم لما وقع في وهران لم يكونوا يعلمون أن الذين قاموا بالعملية هم مشروع لجيش منظم سوف يقلب الدنيا ويحقق المعجزات، ويطرد فرنسا لاحقا، وأن منظور نجاح العملية بالنسبة للفرنسيين من فشلها ليس هو نفس منظور من قاموا بالعملية. ويمكن أن نلخص ذلك فيما يلي:
أولا: إن المبلغ الذي تم الاستيلاء عليه والمقدر بـ3,178,000 فرنك. رغم ذلك يظهر ضئيلا مقارنة بما كانت تحتويه الخزنة من مبالغ كبيرة، إلا أنه وحسب شهادة للرئيس الراحل أحمد بن بلة كان المال الأول الذي تم به شراء حوالي 398 قطعة من ليبيا سنة 1949 وتم وضعها في مطامير عند مصطفى بن بوالعيد في باتنة وكانت تستخرج وتنظف كل سنة وهي الأسلحة التي تم استعمالها ليلة اول نوفمبر 1954 وبالتالي فقيمتها في هذا الوقت (اندلاع الثورة) تضاهي كل اموال الدنيا.
ثانيا: التخطيط والتنفيذ في ذلك الوقت وبتلك المعدات وفي وقت قصير وبعد مدة قصيرة من تأسيس المنظمة الخاصة يدل على أن نواة جيش تحرير قد تشكلت فعليا ويمكن لها ان تقود ثورة مسلحة وتخرج الجزائر من ظلمات الاستعمار إلى نور الحرية.
ثالثا: كشف هشاشة أنظمة المستعمر في حماية ممتلكاته ومؤسساته والتي تعتبر مؤسسات البريد من اهمها بالنظر لدورها في صيرورة الحياة اليومية للمواطنين.
رابعا: الانضباط التام بين أفراد مناضلي المنظمة الخاصة الذي تجسد في هذه العملية والذي كان له الدفع القوي لاحقا، خاصة بعد اكتشاف المنظمة وسجن أعضائها، لكن ذلك لم يثن من عزيمتهم، بل زادهم إصرارا في المضي في نهجهم الثوري وهو ما ادى إلى اندلاع الثورة في نوفمبر 1954 رغم ما كان الحزب يمر به من مشاكل “حتى ظنت فرنسا أنها قد طارت فرحا ظنا منا أنها حققت أكبر انتصاراتها” مثل ما جاء في بيان أول نوفمبر ، لكن ثبات وعزيمة هؤلاء الشباب كسر كل القيود وحقق الحرية للشعب بعد 130 سنة من القهر والظلم والجرائم ضد الانسانية.