عمورة وباتريس لمومبا
أكدت منافسة كأس أمم إفريقيا، الجارية حاليا في بلاد مراكش، أن كرة القدم، ومنافساتها الكبرى، لم تعد رياضية بحتة، خاصة إذا كان مستقبل الدورة بلد في حاجة إلى تبييض صورته أمام العالم، أو في حاجة إلى تسويد صورة أعدائه.
منذ أن وطأت أقدام لاعبي المنتخب الجزائري ومناصريه أرض الرباط، وحملة التشويه القذرة تتبعه، حتى يخال للمتابع بأن محرز ورفقاءه، هم أناس لا علاقة لهم بعالم الكرة، وسافروا إلى المملكة كمهاجرين سريين “حراقة”.
يُجمع متابعو عالم الكرة على أن المنتخب الجزائري قدّم مشاهد جيدة في فن لعبة كرة القدم، ومع ذلك لم يلتقط المضيّفون للدورة الكروية سوى صور خيالية عن رامي بن سبعيني عند حلوله بمطار الرباط وهو رافع رأسه، رافضا ما قُدِّم له من تمر، ولاعبون أخفوا صورة ملكهم في بهو الفندق، وطاقم تدريب جزائري سرق كرة ثمنها ثمانين دولارا وعمورة وهو يمزح مع مشجع كونغولي. وفي كل مرة يجري شرح هذه المشاهد الخيالية تفسيرا سياسيا وتاريخيا وثقافيا، ممزوجا بالأحقاد والعُقد النفسية، لأناس أصبحت حالتهم تثير الشفقة.
ما يجمع الجزائر بكينشاسا، هو ما يجمع الجزائر بجوهنسبورغ والجزائر بهافانا وطرابلس وهانوي… ثورات تحررية بقيادات صامدة، منهم من ينتظر، ومنهم من قضى نحبه استشهادا، كما كان الحال مع الثائر باتريس لمومبا، رجل الكونغو الأول، ورمزها الذي لقّن الاستعمار البلجيكي كل الويلات.
والذي لم يعش تجربة الثورة كفاحا واستبسالا وشهادة، لا يمكنه أن يفهم “الكيمياء” الموجودة بين ثوار “التيكونغ” و”سوابو” أو ما بين جبهة التحرير الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية أو ما بين هواري بومدين وباتريس لمومبا، فجاء تفسيرهم لبراءة أمين عمورة، خاطئا، فحاولوا مرة أخرى أن يحملوا فؤوسهم، ليحفروا لغيرهم خنادق، فسقطوا فيها.
لم يكن تكريم الاتحاد الجزائري لكرة القدم، للمشجّع الكونغولي شبيه باتريس لمومبا، تكريما عابرا، فقد كرّم آباء وأجداد أمين عمورة في الواقع، المكافح باتريس لمومبا وبلاد كينشاسا، إلى أن أعدم منذ ثلثي قرن، فبقي في قلوب الثوار وليس في قلوب غيرهم، من الذين لا يقدّسون سوى القوي.
بكل براءة، تقدّم عمورة، في غمرة فرحته بانتصار منتخب بلده، ليحاكي الرجل المجسّد لأحد صنّاع مجد بلاده، وبكل براءة ردّ عليه عاشق الثوار. وبكل حقارة حاول عبثا، من لا ثورة في حياتهم، ضرب الثائرين بالثائرين، ضمن قانون الفتنة، الذي عوّض قانون الغاب، فانتصر الثُّوارُ، كما جرت العادة، وخاب الحاقدون، في قلب منافسة كروية، شاهدنا فيها عقدا نفسية وثقافية وتاريخية، أكدت أن كرة القدم لم تعد لعبة فقط، بعد أن اختلطت بالسياسة والاقتصاد وطالتها الفتن والأحقاد، بل ربما لم تعد لعبة أصلا.