عندما يصير الخبر في خبر كان
كل منظّري الإعلام والاتصال، وبدون استثناء، يؤكدون أن الضحية الأولى في حالات الحروب والنزاعات المسلحة وحتى غير المسلحة، هي “الحقيقة”.
ما نشاهده وما نلمسه من خلال مجريات الأحداث في التوغل الروسي في أوكرانيا، ردا على التغول الغربي على حدود روسيا الغربية، هو ذلك الإهدار الكلي للقيم “الحضارية” التي علمنا وعلمنا إياها الغرب نفسه: الحقيقة، الموضوعية، الفصل بين الأشياء: بين العام والخاص، بين الجماعي والفردي، والذي يمثل عصب العلمانية، جنبا إلى جنب مع الحرية والعقلانية. الكل تم تغييبه ونسيانه بالمرة ومرة واحدة، بقرار سياسي أحادي شمولي جامع مانع. صارت الحقيقة هي فقط “ما أقوله أنا”، ولا حق لك أنت في الرد أو الكلام أو حتى التعبير، ولا حق لك في المشاركة لا في العلم ولا في المعرفة ولا في الرياضة ولا في الفن: بعبارة واحدة، كل من ليس معي فهو ضدي. هذه المقولة التي نُسبت إلى ستالين بالخطأ، وهي أقدم من ذلك وتعود إلى عهد روما الإمبراطورية التي ينحدر منها الغرب اليوم.
روسيا، حتما ارتكبت أخطاء في الماضي وفي الحاضر، وارتكبت خطأ بالهجوم عسكريا على بلد تعترف أنه ذو سيادة ومستقل ولو كان منفصلا عنها سابقا. أوكرانيا، طليقة روسيا السوفيتية، لم تعد روسية، كما فعلت كثيرٌ من الجمهوريات التي فضلت العودة إلى أصولها التاريخية قبل الضم السوفيتي بفعل تنامي الفكر القومي والتحرري الذي حدث بداية التسعينات والتي عمل الغرب وأمريكا على وجه الخصوص على إذكائه شعورا منها بأنها تعيد الصاع صاعين لروسيا التي “سرقت” من الغرب الاستعماري الأوروبي القديم أجزاء منه بفعل مساندتها للحركات التحررية، فنالت كثيرٌ من الدول استقلالها بداية من الخمسينيات بعد ما وجدت عونا جديدا يعينها على التخلص من الاستعمار الغربي.
الحقيقة الإعلامية اليوم هي الضحية الكبرى؛ تعتيمٌ وفبركة ودعاية لا حدود لها من داخل أوكرانيا ومن روسيا ومن العواصم الغربية. لا أحد يقول الحقيقة كما هي: الخبر صار دعاية منمّقة، والدعاية صارت خبرا ونبأ ذا مصداقية يأخذ مصادره من وسائل التواصل الاجتماعي التي تديرها مختبراتُ الحرب النفسية في كل مكان.. في كييف وفي موسكو وفي أجهزة المخابرات العالمية. غابت الحقيقة وصار الخبر يصاغ على عجل، ويقصف المشاهد بوابل من “العواجل”، عاجلا ما نسمع عن تكذيب له أو نفيه أو في أحسن الحالات في بعض القنوات “الأكثر مهنية”.. تنبيه إلى أن الخبر لم تؤكده مصادر مستقلة.. مع أنه سبق لها أن نشرته كخبر ساخن عاجل.
في الحروب، مراسلو الحروب لا يمكنهم أن يصفوا إلا ما يرونه بأم أعينهم، ولا يمكنهم “التحليل” أو إذاعة الخبر الساخن على أنه “نبأ يقين” أو يبثوا “خبرا” وصل إليهم عبر الهاتف من مصدر لا يعرفونه، وحتى إذا كانوا يعرفونه فلا أحد يضمن صدقية الخبر..
الواقعية، والبحث عن السبق الخبري، والمهنية والموضوعية، عناصر لا تلتقي في مثل هذه الحالات، خاصة في ظرف تتسم فيه بالعودة إلى قانون الأدغال والتهديد والوعيد والضغط العسكري والاقتصادي والوعيد بالانتقام من حليف لا يتحالف ومن صديق يبقى حياديا: إنها العودة إلى الخلف وإلى الأصول الغابية في عصر ندَّعي فيه التحضُّر والعقلانية والإنسانية وفصل الدين عن الدولة والسياسة عن الرياضة والفن عن الإدارة، والعلم عن الكل.. غير أن كل شيء في عصر البحث عن القطبية الواحدة.. صيّر الخبر.. في خبر كان..