فتياتٌ يضبطن حياتهن بما يرينه من أحلام
يعتقدن دوما أن في أحلامهن رسائل ودلالات تحملها رموز ومعان يتوجب عليهن الاحتياط منها أو اتخاذ تدابير كافية لتفاديها، وأخريات يدفعهن حب الإطلاع والرغبة في معرفة ما سيحدث في المستقبل القريب للتمسك برؤيتهن واللهث وراء الحصص التلفزيونية والكتب ومواقع الانترنيت التي تُعنى بتفسير أوهام وأضغاث أحلام يكون أغلبُها بلا معنى، ولأن النساء أكثر هوسا من الرجال وأكثر ميلا منهم للعيش في عالم خيالي والبحث في الغيبيات، نجدهن يطرقن مختلف الأبواب بحثا عن تفسيرات لم شاهدوه بل هناك من تربط حياتها وفقا لما تراه في الأحلام.
قد يستطيع حلم مرعب أن يسيطر على تفكير المرء ويشغله مباشرة بعد الاستيقاظ من النوم، وأحيانا تستمر هواجسه وتبعاته طوال الساعات الأولى من الصباح، غير أنه من الغريب جدا وغير المجدي أن تربط الكثير من السيدات حياتهن ومستقبلهن وفقاً لما يشاهدنه في منامهن، ليتحول الأمر بمرور الوقت إلى هوس لا يُشبعه سوى متابعة البرامج التلفزيونية وتصفُّح المواقع الإلكترونية الخاصة بتفسير الأحلام. ولأن الظاهرة أخذت بُعدا كبيرا في مجتمعنا وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تهاطل الرسائل من مواطنات جزائريات على مختلف البرامج التلفزيونية العربية للبحث عن تفسير لما رأينه.
ولعل اغرب حلم كان من جزائرية اتصلت بإحدى الحصص في حالة هيستيرية يرثى لها، فقد كانت مرعوبة وخائفة بعد أن شاهدت نفسها تلبس فستان زفاف أبيض، وقد وجدت في كتاب تفسير الأحلام أن معناه دنوّ أجلها وهو ما أخبرها به المحيطون بها، الأمر الذي أفقدها الرغبة في الأكل والشرب والخروج وفضلت العزلة في انتظار الموت، لكن المفسر أكد لها أن الأعمار بيد الله وأن الفستان الأبيض دليل على اشتراكها في أعمال سارة ومقابلة أصدقاء جدد.
أما إحدى الفتيات فقد اتخذت صفحة “فايسبوك” ملاذاً لها بعد أن طالبت أصدقاءَها بتفسير حلمها خاصة الذي وصفته بـ”المرعب”، فقد رأت نفسها وكأنها ميتة وقد جرى تكفينُها فسارعت الفتاة مذعورة على الرابعة صباحا لتكتب حلمها على حائطها وتودِّع جميع من عرفوها، إلا أن أحد أصدقائها وبعد أن استفسر من إمام مسجدهم أخبره أنها بشرى سارة لها ولعائلتها فزفافها قريب، وبالفعل لم يمض شهر حتى تمت خطبتها.
وترى “هادية”، أن الأحلام إشارات لما سيحدث لها في المستقبل القريب، فهي تستخير الله دوما وكل ما تراه في الحلم تطبقه بحذافيره معتمدة على كتب في تفسير الأحلام لابن سيرين والنابلسي وابن شاهين والعديد من المواقع الإلكترونية، ولا يهدأ لها بال ولا ترتاح حتى تفسر حلمها في اليوم نفسه. تقول “هادية” إنها تعوَّدت على مشاهدة والدتها تقوم بذلك فأخذت هذه العادة منها، مضيفة أن أغلب أحلامها لا تحتاج لتفسير؛ ففي إحدى المرات حلمت بأن خطيبها يوجد في مطعم بضواحي بن عكنون رفقة سيدة غريبة، وعندما اتصلت به في اليوم الموالي اعتذر إليها مدعيا أنه مشغول، والغريب أنها بعد فترة اكتشفت أنه يخونها وقد وجدت صوره برفقة عشيقته في هاتفه النقال. ورغم أن خبيرة الأحلام “لوري كوين وينبرغ” أن حلم الخيانة الأكثر شيوعا بين المتزوجين، إلا أن “هادية” لازالت تربط بين حلمها وما يحدث لها على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد أوضحت الإخصائية النفسانية “بوقاسي وردة” أن النساء مهووسات بتفسير الأحلام وربطها بالحياة الواقعية فهناك من يقتصر حديثهن على الأحلام ما يؤدي إلى ملل الآخرين وتبرّمهم، وذلك يعود إلى نقص الاستثمار في الحياة النفسية، كالعمل، الحب، تربية الأطفال، ممارسة الرياضة والاهتمام بالصحة والعلاقات الاجتماعية والأصدقاء وممارسة هواية وغيرها من الاستثمارات التي تحيط بنا.
وتضيف المختصة “بوقاسي” أن السيدات يوجهن كل الطاقة لتفسير الأحلام وربطها في الحياة، ما يجعلهن مصابات بهوس نتيجة للفراغ أو عدم الحصول مثلاً على علاقات جيِّدة في الحياة والحب وغيرها من الجوانب، ليصبحن مصابات بهذا الهوس ويبتعدن عن التوازن في مختلف الجوانب الاجتماعية والروحية. كما يمكن أن يُعتبر تنفيسا لهن من ضيق وضغط نفسي كبيرين، وهروب من عبء الحياة اليومية وتحدياتها فيكون ذلك كحيلة دفاعية لحماية النفس من التوتر والقلق.
أما بخصوص الأحلام والرؤى فقد عرَّفها “فرويد” بأنها رغبات مكبوتة وهي انعكاس لصراعات جنسية ووجدانية لم يستطع الفرد تحقيقها في الحياة اليومية، لذلك يحلم الفرد، وهو تنفيسٌ جيد عن النفس يحدث في منطقة اللاشعور التي تغتنم فرصة نوم الرقيب أو “الأنا الأعلى” ليطفو على السطح ويعبّر عن المشاعر والرغبات المكبوتة برموز وحيل عديدة.