-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فج مزالة من بداية المقاومة إلى الثورة 1830-1954

فج مزالة من بداية المقاومة إلى الثورة 1830-1954

في التاسع فبراير من هذه السنة كنت في المركز الثقافي الإسلامي بمدينة ميلة في انتظار افتتاح اليوم الدراسي الذي نظمته مديرية الشؤون الدينية عن الشيخ مبارك الميلي، بمناسبة ذكرى وفاته الثانية والسبعين.

تقدم مني شخص، فسلم ورحّب، ثم أخبرني عن كتاب له صدر منذ وقت قريب عنوانه: “فجّ مزالة، من بداية المقاومة إلى الثورة 1830-1954″، وعرفني عن اسمه، وهو محمّد الصادق مقراني”.

رددت التحية، خاصة وأن لأسرتنا علاقة بأسرة المقرانيين، وفرحت بما أخبرني به، لأنني أعرف بعض ما ابتليت به تلك المنطقة على أيدي أشر المخلوقات، وهم الفرنسيون، كما أعرف بعض ما قدمته تلك المنطقة- كسائر مناطق الجزائر – من أمجاد وبطولات لم يسجل أكثرها، وهو ما أشار إليه الشاعر الفحل، مفدي زكريا، في إلياذته بقوله:

وكم بالجزائر من معجزات   وإن جحدوها ولم تكتب

وفي الاستراحة جاءني الأستاذ الفاضل بالكتاب، فشكرته، ودعوت له بالتوفيق وبمزيد من هذا الإنتاج المتميز..

والأستاذ محمد الصادق من الفرع المقراني بجيجل، وبها ولد من فجر “الاستقلال”، ومعنى ذلك أنه لا فضل لفرنسا عليه بمثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك.. وهو إعلامي، وباحث في التاريخ، وله عدة كتب منها “8 ماي 1945 بفج مزالة وضواحيها” و”المجاهد عبد الحفيظ بوصوف”، و”فج مزالة عبر التاريخ”.. وله عدة مقالات في بعض الجرائد..

قسم الأستاذ محمّد الصادق كتابه إلى خمسة فصول.

تحدث في الفصل الأول عن التسميات التي عرفت بها بلدة فرجيوة وأشهرها ثلاثة أسماء فج مزالة، والفج هو المنخفض من الأرض بين مرتفعين، ومزالة هو اسم قبيلة أمازيغية من فروع قبيلة كتامة، التي امتد نشاطها إلى مصر والشام واليمن، وأوفى دراسة عنها ما كتبه أستاذي موسى لقبال، رحمه الله عن “دور قبيلة كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية”.. ومن أشهر رجالاتها جعفر بن فلاح الكتامي، فاتح مصر لفائدة الدولة العبيدية.. وهو الذي قال فيه الشاعر ابن هانئ عندما لقيه:

كانت مساءلة الركبان تخبريني  عن “جعفر بن فلاح” أطيب الخبر

حتى التقينا، فلا والله ما سمعت    أذني بأحسن مما قدر رأو بصري

ومن أسماء فج مزالة اسم فرجيوة، وينفي الأستاذ محمد الصادق ما يشاع من أن اسم “فرجيوة” هو لراقصة يهودية..

وعندما ابتليت الجزائر بالتشيّع الكاذب و”الغامض” كما سماه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، حاول “سمسار” هذا التشيّع أن يطلق اسم “فج الأخيار” على فرجيوة، ولكن محاولته ذهبت مع ذهاب هذا المذهب من الجزائر على يد المعز بن باديس، رحمه الله، ورضي عنه.. وبالمناسبة فإن النهج الذي أطلق عليه اسم المعز بن باديس في بلدية الأبيار لا يتناسب مع العمل الجليل الذي قدّمه هذا الأمير لمنطقة المغرب العربي كلها، حيث خلّصها من هذا “المذهب” الذي يتغطى بالانتساب إلى آل البيت، مع أن أفكاره تتناقض مع مبادئ وأفكار آل البيت، رضي الله عنهم.. وكم تعجبني مقولة الإمام محمد الغزالي، رحمه الله، وهي: “إن الشعب الجزائري يحب آل البيت وليس شيعيا، ويوحد الله وليس وهّابيا”.

وتناول الأستاذ في الفصل الثاني الحركة الوطنية بفج مزالة، من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأعلامها، إلى حزب الشعب الجزائري، إلى الحركة الكشفية، إلى أحباب البيان والحرية، على الحزب الشيوعي “في الجزائر”، وهذا الحزب في رأيي ينسب إلى الجزائر تجاوزا، لأن أكثر أعضائه وقادته ليسوا جزائريين، وعندما أظهر عمار وزقان شيئا من الوطنية والنزعة الاستقلالية عن الحزب الشيوعي الفرنسي طرد من الحزب الشيوعي “الجزائري”، الذي كشف عمار وزقان مثالية في كتابه المتميز “الجهاد الأفضل”.

وتعرض الأستاذ في الفصل الثالث لانتفاضة 8 ماي 1945 وحوادثها، وردود أفعال الفرنسيين، وصدرت تلك الحوادث في الصحافة الفرنسية، والخسائر البشرية والمادية خلال هذه الانتفاضة..

أما الفصل الرابع فقد خصصه للثورة التحريرية المظفرة، ولهذا كنت أود أن يكون عنوان الكتاب “من بداية المقاومة إلى الاستقلال”، لأن العنوان كما جاء على غلاف الكتاب يثير لبسا في أذهان القراء، حيث يتوهمون أن الكتاب يتوقف في سنة 1954.

قسم المؤلف هذا الفصل إلى تسعة مباحث، تناول فيها الثورة في فج مزالة، وتقسيماتها، ومسئوليها، وتكلم في المبحث الثاني عن “هياكل العدو” وأقسامه الإدارية، ومراكزه العسكرية، وأماكن التعذيب.. وخصص المبحث الثالث للهجوم الذي شنه المجاهدون على مدينة فج مزالة في الثامن من شهر ماي 1956، وكأن هذا الهجوم تذكير بحوادث 8 ماي من سنة 1945..

ومما يلفت النظر في هذا الهجوم الذي مسّ من جملة ما مسه من مراكز إدارية “دار العدالة”، ولكن المجاهدين بالرغم من اقتحامهم لتلك الدار، فإنهم لم يمسوا القاضي “ايفون مارطان” وعائلته بسوء، لأن هذا القاضي كان معروفا عند الجزائريين “بأنه قاض لا يظلم عنده أحد”. (ص 165).

وتناول في المبحث الرابع “كرونولوجيا الحوادث العسكرية” للمجاهدين في فج مزالة وضواحيها من سنة 1956 إلى سنة 1962.

وفي المبحث الخامس تناول العمليات العسكرية والتمشيطية التي قامت بها فرنسا في المنطقة.. وتناول في المبحث السادس “العمليات الفدائية” في سنوات 1956-1960.

أما المبحث السابع فتحدث فيه عن “أقطاب الحركة الطلابية بفج مزالة.. ومن هؤلاء الطلبة من نال شهرة وطنية كآل منتوري (الشهيد أحمد الشريف، وطبيب القلب المجاهد بشير منتوري، الذي كان رئيس بلدية الجزائر الكبرى فترة من الزمان، والمجاهد الوزير محمد الصالح منتوري، الذي كان رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1996-2005، ثم قدم استقالته، لأنه رأى أن السياسة المنتهجة ستؤدي بالجزائر إلى أوخم العواقب.. وهو ما نلمسه اليوم بأيدينا، ونراه بأعيننا، ونحس آثاره السيئة في جميع المجالات.. ومن هؤلاء الأقطاب أيضا الدكتور محمد الصالح مرمول، صاحب الدراسات والملفات التاريخية الهامة..

وتحدث المؤلف في المبحث الثامن عن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 بفج مزالة، وهي جزء من المظاهرات التي وقعت في ذلك التاريخ من غرب الجزائر إلى شرقها، وهي التي أيقظت جنرالهم دوغول من “أحلامه”، فتبين أن الجزائر للجزائريين، وأن عليه – كما قال لصديقه آلان بيرفيت أن يخلص فرنسا من الجزائر، لأن فرنسا صارت بسبب ثورة الجزائر “رجل أوربا المريض”، وأن جيشها مهدد بالتمرد، ومجتمعها مهدد بالانقسام..

وتناول في المبحث التاسع الحديث عن الشهيد زرارة السعيد الذي قتل يوم 28 مارس من سنة 1962.. رغم مرور تسعة أيام على وقف إطلاق النار…

لقد وثق الأستاذ كتابه بمراجع عربية وفرنسية، وبجرائد ومذكرات، وشهادات تدل كلها على جهد كبير بذل في تأليف هذا الكتاب.. وأن بعض الأخطاء (مطبعية ولغوية) لا تنقص من قيمته. وسأعود – إن شاء الله – إلى الحديث عن شخص طالما سمعت عنه وأنا صغير، ولم أقرأ عن حياته إلا ما جاء في هذا الكتاب القيم، أعني الشيخ المطيّش بن الشريف، رحمه الله.

وفي ملاحظة أرجو أن يتسع لها صدر الأستاذ الفاضل، وهي ضرورة الحرص على استعمال مصلحاتنا، مثل كلمة “الجهاد” بدل كلمتي المقاومة.. والثورة.. وقد تفطن المجاهدون لذلك، فأسّسوا جريدة “المقاومة” ثم عدلوا عن هذا الاسم إلى اسم “المجاهد” التي ما تزال تصدر إلى اليوم.. وكم منّت علينا فرنسا بمثل هذه المصطلحات، “فثورتنا” مأخوذة عن ثورتها، و”مقاومتنا” مأخوذة عن مقاومتها…

وقد تنبه الإمام عبد الحميد ابن باديس إلى هذا الأمر عندما شرح خطبة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وتحدث عما ورد فيها من مبادئ سياسية في تنصيب “إمام المسلمين”، وتسيير شؤونهم، وقال إن هذه المبادئ لم يتعلمها أبو بكر الصديق من غيره من الأمم. (انظر آثار الإمام ابن باديس. ج5.ص 361 وما بعدها).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • رؤوف بن الجودي

    أولا نشكر أستاذنا الكبير "محمد الهادي الحسني" على هذه المبادرة التي ما فتئ يصنعها مع كل كاتب وكتاب يراه نافعا؛ وأهمية هذا المؤلف بالذات أنَّه يمثل وثيقة تاريخية جديرة بالاهتمام..
    أرجو من جميع الإخوة أن يلتفتوا إلى ملاحظة الأستاذ التي نقلها عن الشيخ عبد الحميد بن باديس في إدخال ألفاظ (المقاومة) و (الثورة) بدل (الجهاد) و(التدافع) وغيرها من قواميس الألفاظ التي غزت حديثنا وكلامنا حتى غدى كالترجمة السقيمة للفرنسية._'