فرصة تاريخية لإنقاذ سوريا
يشكل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّلت إليه روسيا وتركيا وانضمّ إليه النظام و60 ألف مسلح من المعارضة السورية ودخل حيّز التنفيذ ليلة الجمعة بسوريا، نافذة أمل جديدة بتحقيق تسويةٍ سلمية تضع نقطة النهاية لهذه الحرب العبثية المدمِّرة، وتفسح المجال واسعا للسوريين للعودة إلى ديارهم، وتضميد جراحهم، واستئناف حياتهم الطبيعية، والشروع في إعادة بناء وطنهم.
لقد خلّفت الحرب، حسب إحصائيات حديثة، نحو نصف مليون قتيل، و1.8 مليون مصاب؛ أي ما يعادل 11 بالمائة من السكان، وأدت إلى نزول عدد سكان سوريا من 21.8 مليون نسمة في 2010 إلى 20.2 مليوناً في نهاية سنة 2015، عوض أن يكونوا في حدود 25.6 مليون نسمة لو لم تكن هناك حربٌ أهلية، كما تحوّلت الكثير من المدن والبلدات والقرى إلى أنقاض؛ إذ دُمِّر في المجموع نحو 200 ألف منزل، ما دفع نحو 10 ملايين سوري إلى النزوح داخل سوريا أو اللجوء إلى الخارج، كما ضاعت قرابة ستّ سنوات من الدراسة وحُرم ملايينُ التلاميذ السوريين من حقهم في التعليم، وشُلّ الاقتصاد وانهار الناتج المحلي الإجمالي إلى أقلِّ من ثلث ما كان عليه قبل الحرب وأصبح أقلَّ من الناتج المحلي لقطاع غزة المحاصَر ومن أفقر الدول الإفريقية ودفع بسوريا إلى المرتبة 225 في العالم، ما جعل 80 بالمائة من سكّان سوريا يعيشون اليوم تحت خطّ الفقر. وبالنظر إلى الدمار الرهيب الذي خلّف خسائر بنحو 254 مليار دولار، حسب تقديرات “المركز السوري لبحوث السياسات”، فقد عادت سوريا عقودا عديدة إلى الوراء وستحتاج إلى 20 سنة على الأقل للتعافي، وإذا لم تتلقّ دعما خارجيا كافيا فستحتاج إلى عقودٍ عديدة للعودة فقط إلى ما كانت عليه قبل بداية الثورة في مارس 2011!
هذه الصورة القاتمة لأهمّ الخسائر البشرية والاقتصادية السورية تؤكّد ضرورة وضع حدّ لهذه الحرب المجنونة في أقرب وقت، لأن استمرارها سنوات أخرى يعني نهاية سوريا ومحوها من الخارطة وتفككها إلى عدّة دويلات عرقية وطائفية متناحرة، لتتحقق بذلك أمنية نتنياهو التي عبّر عنها في منتدى دافوس مطلع العام الجاري 2016 بقوله: “إن أفضل نتيجة يمكن الحصولُ عليها في سوريا هي بلقَنَة هادئة نسبيا؛ هذا أفضل ما يمكن الحصولُ عليه”، فضلا عن تصريحات كثيرة لمسؤولين ومفكرين صهاينة أجمعت كلها على أن تقسيم سوريا يشكِّل مصلحة كبرى لكيانهم.
لذلك كله، نأمل أن يثوب الجميع إلى رشدهم في سوريا، ويتجاوزوا لغة الأحقاد والثارات والاتهامات المتبادلة بتخريب البلد، وأن يغتنموا هذه الفرصة الجديدة ويجنحوا إلى السلم ويشرعوا في مفاوضاتٍ جدّية لإنهاء المأساة.. نأمل أن يتحلى طرفا الصراع بالمرونة الكافية ويقدِّما تنازلاتٍ متبادلة تُفضي إلى تسويةٍ سلمية تُنهي الحرب وتحقن الدماء وتنقذ سوريا من الانهيار والتقسيم وتحافظ على وحدتها، وهو مكسبٌ عظيم وثمين للجميع تهونُ أمامه كل خسارةٍ أخرى.