في الجزائر.. إعادة رسم الخطوط الحمراء!
يتابع الجميع باهتمام بالغ تداعيات هجوم أمين عام جبهة التحرير الوطني عمّار سعيداني على رأس المخابرات الجنرال توفيق، والأيادي ممتدة إلى القلوب حتى لا يتسبب “صراع العمالقة” في انجراف الجزائر نحو مرحلة انفلات أمني جديدة، قد تكون أسوأ من العشرية الحمراء التي نتمنى أن تكون الاستفادة من دروسها وعبرها قد أقنعت رجال الخفاء ورجال العلن، على حد سواء، بإعادة ترتيب الأولويات حتى يكون هذا الوطن والشعب الذي يحتضنه على رأس قائمتها، بما يضمن الاستقرار والعدالة ومبدأ تكافأ الفرص للجميع.
الصراع الذي يدور فوقُ يتزامن مع جرح نازف في غرداية، حيث ترتسم ملامح فتنة طائفية تغيب معها الدولة التي تبدوعاجزة بسبب سوء التسيير أو سوء التقدير لما يمكن أن يؤول إليه هذا الملف الملغّم، وفي هذه الفترة الحرجة بالذات. فهل يُعتبر هذا الصراع نتيجة طبيعية لسلسلة الإخفاقات التي صاحبت تسيير الدولة الجزائرية بعد ٥٠ سنة من الاستقلال، أو أنه مُجرّد “رجع صدى” لصراع العمالقة فوق؟ إن غدا لناظره قريب، حيث سيأتينا بالأنباء من زوّدنا ومن لم نزوّد!
وبعيدا عن منطق التخوين والاتهام بالعمالة لجهات أجنبية، وهذه صيحة رائجة هذه الأيام، علينا أن نقف بوعي وحزم أمام هذا المشهد المخيف الذي قد تؤول إليه الأحداث: فمن الذي يصر على دفع الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة، والجميع يعلم أن وضعه الصحي لا يسمح له بالاضطلاع بأعبائها؟ وهل أولئك المسبّحون بحمد العهدة الرابعة يفعلون ذلك من منطلق الخوف على الوطن والبحث عن استقراره وأمنه، أم بدافع مصالح ضيقة يوشك الانجرار الأعمى وراءها أن يقود البلاد – لا قدّر الله – إلى خراب!
وعلينا أن نتساءل عن المسؤول عن فشل وقف النزيف في غرداية، وعن غياب سلطة القانون والتسيير السيء لمشكلات أثبت الواقع أنها تكون حجر أساس في تهديم الأوطان وتقسيمها على أسس عرقية أو إثنية أو مذهبية؟ وما هي الإجراءات التي تُتخذ ضد المستببين في هذا الفشل، وهل هناك آليات دستورية تسمح بمحاسبتهم؟ وما دور الشعب، دستوريا، أمام مشهد سياسي وأمني يتجاوزه كلية، تعلق الأمر بإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية وما يرتبط بها من حركة الإقالات في صفوف الجيش وجهاز الاستعلامات، أو تعلّق بالحرب الدائرة ضد الإرهاب الأعمى الذي يستهدف الشعب، أو تعلّق الأمر باتهامات متبادلة بين أطراف الحكم حول خيانة هذا الطرف أو فشل ذلك؟!
علينا أن نعي أن المسألة لا تتعلق بـ”أياد خفية” و”مؤامرات أجنبية”، وهي عوامل لا يمكن إغفالها، بقدر ما تتعلق بفشل منظومة سياسية كاملة في رسم ملامح دولة حديثة يكون القانون سيّدها.. ابتداء من الدوس على الدستور ونصوصه وتعديله بما يوافق رغبات وأهواء الطامحين إلى الخلود على عرش الحكم، وانتهاء بالسكوت عن جرائم هدر المال وفضائح الفساد، وتضييق الحريات وتكميم الأفواه وإغراق المشهد الإعلامي بعناوين تقوم على تغليط الرأي العام وقلب الحقائق والتشغيب على المحاولات الإعلامية الجادة التي تعتبر أنه من حق الجزائريين أن يعرفوا الطريقة التي يُحكمون بها، لتكون لهم أهلية مناقشتها أولا، وتقييمها أو تقويمها ثانيا، بما يكفله القانون الذي يستمد سلطته – أو هكذا يُفترض – من هذا الشعب نفسه!
منطق العشرية الحمراء الذي عانينا منه يفرض علينا رسم خطوط حمراء جديدة، لا تتعلق بقداسة السياسيين ولا العسكريين، وإنما ترتبط ارتباطا وثيقا بقداسة الوطن ووحدة ترابه وتآلف أفراده، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القانون الذي يضمن حق الجميع، ويضمن في الوقت ذاته حقّ محاسبة الجميع.