في ذكرى الحراك وتأميم المحروقات
ست محطات مفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة، كانت فيها العقبة الكبرى هي التخلص من تبعية الاستعمار واختيار النموذج التنموي، آخر هذه المحطات هي إسقاط العهدة الخامسة شعبيا عن طريق الحراك الأصيل الذي أخرج الشعب عن بكرة أبيه، في مشاهد لم نر مثلها إلا في حالات نادرة.. ومنها يوم إعلان الاستقلال الوطني في 5 جويلية 62.
ست محطات، تلتقي اليوم في محطتين وتتقاطع كلها حول هاتين النقطتين الفاصلتين: تأميم المحروقات في 24 فبراير 71، وبداية حراك 22 فبراير 2019. هما محطتان تلخصان الرهانات الوطنية المستقبلية والاستقلالية والسيادية على كامل قطاعاتها.
كانت أول محطة فاصلة، محطة النهاية وبداية الانطلاق لقطار هي محطة 5 جويلية 62، والتي كانت بمثابة القاطرة التي تحرك القطار انطلاقا من محطة الانطلاق التي توقفت فيها عجلة التاريخ القديم تحت ظل الاستعمار وبدأ ضخ الوقود لإقلاع المحركات نحو وجهة جديدة بربان وقيادة جديدة وتوجه جديد. هذا التوجه لم يكن من دون صعوبات في ظل التطويق الفرنسي للتجربة الجديدة، بل على العكس، كسرت فرنسا ومعمِّروها وأقدامُها السوداء كل ما لم يتمكّنوا من حمله ونقله. خرّبوا المصانع والمعامل ووسائل النقل ورحلوا جميعا. هذا الرحيل الذي يشبه رحيل القوات الأمريكية من أفغانستان من حيث السرعة والارتجال، كانت بفضل مأساة الجيش السري OAS، التي نكلت بالجزائريين بهدف الإبقاء على “الجزائر الفرنسية”، والتي استوعبت الدرس بأنه لا مستقبل لها ولا لبني جلدتها في الجزائر المستقلة. لقد جنت على نفسها براقش.
المحطة الثانية، كانت محطة 19 جوان 1965، والتي عرفت بـ”التصحيح الثوري”، والذي غيَّر المسار وجذَّر الموقف الجزائري تجاه فرنسا برفض بعض بنود اتفاقية إيفيان 1962 التي وإن صادق عليها المجلسُ الوطني للثورة بالإجماع، لكن قيادات الأركان لم تقبل بها وقتها ومنهم الراحل هواري بومدين، مما مهّد له الطريق لتصحيح مسار الاستقلال برفض بنود القواعد العسكرية البرية والبحرية وإعطاء مهلة لفرنسا للمغادرة.
المحطة الثالثة كانت من دون شك هي محطة تأميم المحروقات في 24 فبراير 71. قرار لم يكن سهلا اتخاذه، لكن كان لابد منه. الرهان نجح، وأثمرت جرأة التأميم التي لم تكن أقلّ من شجاعة الشجعان في تفجير الثورة.
رابع محطة، هي 27 ديسمبر 78، تاريخ رحيل هواري بومدين، وبداية تجربة سياسية اقتصادية أكثر تفتحا على الغرب وعلى فرنسا وعلى تفكيك الشركات الكبرى لصالح مؤسسات اقتصادية أصغر، كشكل من أشكال الإصلاح تمهيدا لنهاية الاشتراكية وبداية دخول القطاع الخاص من دون مقدّمات ولا تحضير للأرضية القانونية والمناخ العامّ. إصلاحات بدأت تزامنا مع أزمة اقتصادية ونفطية وسياسية بداية من 86، وانتهت بانتفاضة الخبز في 5 أكتوبر 88. أحداث كانت لها أسبابها الداخلية، لكن اليد الخارجية كانت حاضرة بقوة.. كما كانت حاضرة في حراك 22 فبراير 2019.. وفي كل المحطات التاريخية.. دائما..
خامس محطة، هي أحداث 5 أكتوبر 88 وما تبعها من رغبة في الانفتاح أكثر وبطريقة أكثر عقلانية، لكن متسرِّعة أيضا. حدثت نقلةٌ في مجال الحريات السياسية وفي مجال حرية الصحافة واستقلاليتها وتنوّع العناوين الخاصة، لكن ما حدث بعد الانتخابات التشريعية وقبلها البلدية في بداية التسعينيات، وبروز مظاهر التوتر الذي انتهى بالعنف وسنوات الفوضى والإرهاب، قضت على حلم التحوّل الديمقراطي السلس والسلمي والسليم، لصالح تخريب وإرهاب دموي أعمى، عانت فيه البلاد من التدخلات الخارجية ومن الضغط التي كادت أن توقع البلاد في الإفلاس التام اقتصاديا وماليا وسياسيا، بل وعاشت البلاد تحت رحمة الحصار الاقتصاد العالمي بتأسيس وضغط فرنسي رهيب.
سادس محطة، وهي ليست الأخيرة بالمطلق، هي انطلاق الرفض الشعبي للاستمرار في النزيف المالي والهدر الاقتصادي والفساد السياسي عبر التجديد والتمديد لرئيس مريض محاط بأخ له من أبيه، لا دستورية له بأيّ وجه من الأوجه، وبعصابة أربكت البلاد وكادت أن توصلها من جديد إلى حافة هاوية الإفلاس وطرق أبواب الأفامي من جديد، وكادت أن تنتهي رهان “تأميم النفط” نفسه، ليتحوّل من نعمة إلى نقمة: بواية 22 فبراير 2019، التي فتحت أبواب النيات المخلصة وغلّقت أبواب الثنايا المبيّتة.. المفلسة.