قراءة اقتصادية في تصريحات الرئيس تبون.. النمو والأجور والاستثمار في الواجهة
تكشف التصريحات الاقتصادية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في لقائه الدوري مع الإعلام عن رهان على رفع النمو ودعم القدرة الشرائية وتسريع الاستثمار والإنتاج، بالتوازي مع تشديد الرقابة على التجارة الخارجية ومواصلة المشاريع الكبرى، في وقت تراهن فيه الجزائر على بلوغ الناتج الداخلي الخام مستوى 400 مليار دولار بين نهاية 2026 وبداية 2027.
وتتزامن هذه التوقعات مع التزام برفع الأجور خلال 2027، وتوسيع الاستثمار إلى نحو 10 آلاف مشروع، إلى جانب مواصلة مشاريع السكن والبنية التحتية، بينما يبرز قطاع الطاقة مجددًا من خلال مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي تضعه الجزائر ضمن رهاناتها لتعزيز موقعها كمحور لنقل الغاز الإفريقي نحو أوروبا.

وفي قراءة اقتصادية لتصريحات الرئيس وملف أنابيب الغاز، يرى أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر والخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن تقييم المشاريع الكبرى لنقل الغاز يجب أن يخضع قبل كل شيء لحسابات الكلفة والتمويل والبنية التحتية وسرعة الوصول إلى الأسواق، بعيدًا عن الحسابات السياسية.
تيغرسي: الغاز يختار الطريق الأقل كلفة
يرى تيغرسي أن الغاز، باعتباره سلعة تجارية، لا يختار الطريق وفق الخريطة السياسية، وإنما وفق المسار الذي يخفض التكلفة ويرفع المردودية ويضمن الوصول إلى الأسواق بأكبر قدر من الموثوقية.
ويضع الخبير أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، في موقع أفضل من هذه الزاوية، بالنظر إلى استفادته من بنية تحتية جزائرية موجودة أصلًا.
فالجزائر تمتلك شبكة غاز وطنية واسعة، ومركز حاسي الرمل، وخطوط تصدير قائمة نحو أوروبا، إضافة إلى محطات تسييل الغاز في أرزيو وسكيكدة وخبرة سوناطراك الطويلة في نقل وتسويق الغاز.
وبالتالي، فإن الغاز النيجيري، وفق قراءة تيغرسي، يمكن أن يدخل إلى منظومة جزائرية قائمة ثم يتجه نحو السوق الأوروبية، بدل الحاجة إلى إنشاء منظومة تصدير جديدة بالكامل.
أين يرى تيغرسي عيوب المشروع المغربي؟
في المقابل، يركز الخبير على مجموعة من التحديات الاقتصادية التي تواجه أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، وفي مقدمتها طول المسار وتعدد دول العبور وارتفاع حجم الاستثمارات المطلوبة.
فالمشروع الأطلسي يمتد لنحو 7 آلاف كيلومتر وفق التقديرات التي أشار إليها تيغرسي، وتصل كلفته التقديرية إلى نحو 26 مليار دولار، ما يجعله مشروعًا ضخمًا من حيث التمويل والتنفيذ.
ويقول الخبير إن طول المسار لا يمثل مشكلة هندسية فقط، بل يتحول مباشرة إلى تكلفة اقتصادية، لأن كل كيلومتر إضافي يعني أعمال إنشاء وصيانة وتأمين وتشغيل إضافية.
كما أن مرور الأنبوب عبر عدد كبير من الدول يعني الحاجة إلى اتفاقيات متعددة، ورسوم عبور، وتنسيق قانوني وتنظيمي، إلى جانب مخاطر سياسية وأمنية يمكن أن تؤثر في كلفة المشروع واستمرارية تشغيله.
ويختصر تيغرسي هذه المعادلة بالقول إن كل كيلومتر إضافي له فاتورة، وكل دولة عبور إضافية تضيف مخاطر وتكاليف جديدة.
ومن هنا، يرى تيغرسي أن التحدي الحقيقي أمام المشروع المغربي ليس إثبات إمكانية إنجازه هندسيًا، وإنما إثبات قدرته على منافسة مسار يستفيد من بنية تحتية قائمة.
أنبوب الصحراء يراهن على منظومة موجودة
وتكمن، وفق قراءة الخبير، إحدى أبرز نقاط قوة مشروع أنبوب الصحراء في أن الجزائر لا تبدأ من الصفر.
فالغاز النيجيري يمكن أن يصل عبر النيجر إلى الجزائر، ثم يندمج في شبكة الغاز الوطنية ويتجه نحو حاسي الرمل ومنشآت التصدير، بما في ذلك خطوط الأنابيب المتجهة إلى أوروبا ومرافق تسييل الغاز.
أما المشروع الأطلسي، فعليه بناء منظومة نقل واسعة عبر آلاف الكيلومترات وعدد كبير من الدول قبل الوصول إلى نقطة التصدير الأوروبية.
ولهذا يرى تيغرسي أن المقارنة الاقتصادية لا تتمثل في السؤال عن أي مشروع أكثر حضورًا سياسيًا، وإنما أي مشروع يستطيع نقل الغاز بأقل تكلفة وأعلى موثوقية وفي أقصر وقت ممكن.
وبعبارة أخرى، فإن أنبوب الصحراء يراهن على بنية تحتية موجودة، بينما يراهن المشروع الأطلسي على إنشاء بنية واسعة ومعقدة قبل تحقيق العائد النهائي.
400 مليار دولار.. رهان الرئيس تبون على النمو
وبعيدًا عن ملف الغاز، أكد الرئيس تبون أن بلوغ الناتج الداخلي الخام مستوى 400 مليار دولار أصبح ممكنًا مع نهاية 2026 أو خلال الربع الأول من 2027، رابطًا ذلك بالحركية الاستثمارية وآلاف المشاريع المسجلة.
كما توقع نمو الاقتصاد الوطني بين 4.01 و4.02 بالمائة، متجاوزًا توقع صندوق النقد الدولي البالغ 3.8 بالمائة لعام 2026، وفق تقديراته.
وأشار الرئيس إلى وجود نحو 10 آلاف مشروع استثماري مسجل، تشمل مشاريع صغيرة ومتوسطة وكبرى، معتبرًا أن هذه الديناميكية تعكس تحسن مناخ الاستثمار وتوسع النشاط الاقتصادي.
رفع الأجور وحماية القدرة الشرائية
وجدد الرئيس تبون التزامه برفع الأجور خلال 2027، مؤكدًا أن الزيادات ستدرج ضمن ميزانية السنة المقبلة، في إطار سياسة تستهدف حماية القدرة الشرائية.
وفي القطاع الفلاحي، أعلن أن الدولة ستعمل على شراء فائض الإنتاج من الفلاحين بهدف تنظيم السوق، مشددًا على أن أغلب المنتجين لا يتحملون مسؤولية ارتفاع أسعار بعض المنتجات، وأن المسؤولية يجب أن تقع على من تثبت علاقته بالمضاربة أو التلاعب بالسوق.
الواردات تحت المجهر
وفي ملف التجارة الخارجية، كشف الرئيس عن تجاوزات أظهرتها عمليات الرقمنة والتدقيق في نشاط بعض المتعاملين.
وضرب مثالًا بمتعاملين استوردوا ما قيمته 750 مليون دولار، مقابل إنتاج وتصدير بقيمة 29 مليون دولار فقط، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات تمثل استنزافًا للعملة الصعبة.
وأكد أن الدولة ستواصل دعم المنتجين الحقيقيين، لكنها لن تسمح بتضخيم الفواتير أو استغلال الاستثمار والاستيراد لسحب العملة الصعبة، مشيرًا إلى أن العدالة ستتولى متابعة المتورطين، مع إمكانية شطبهم نهائيًا من السجل التجاري.
السكن والمشاريع الكبرى
كما أكد الرئيس تبون استمرار برامج السكن بمختلف صيغها، مشيرًا إلى توفر مواد البناء محليًا، ومؤكدًا أن الجزائر لن تعود إلى أزمة السكن التي عرفتها البلاد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وأشار كذلك إلى استمرار إنجاز المشاريع الكبرى، خصوصًا في تحلية مياه البحر والسكك الحديدية والموانئ، بما يعكس استمرار الاستثمار العمومي في البنية التحتية.
الخلاصة: الاقتصاد يحسم معركة الأنابيب
تضع قراءة هواري تيغرسي أنبوب الغاز العابر للصحراء في مواجهة اقتصادية مباشرة مع المشروع النيجيري-المغربي، لا من خلال الخطاب السياسي، وإنما عبر حسابات المسافة والكلفة والبنية التحتية والتمويل.
فالمشروع الأطلسي، بحسب الخبير، يكلف فاتورة ضخمة بسبب طول المسار، وتعدد دول العبور، وحجم التمويل المطلوب، وتعقيدات التشغيل والتنسيق.
في المقابل، يستفيد أنبوب الصحراء من وصوله إلى الجزائر، التي تمتلك أصلًا شبكة غاز ومنشآت تصدير مرتبطة بالسوق الأوروبية.
ولهذا يخلص تيغرسي إلى أن المنافسة الحقيقية ليست بين الجزائر والمغرب، وإنما بين مسارين اقتصاديين لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، مسار يستفيد من بنية قائمة، وآخر يحتاج إلى بناء منظومة واسعة قبل الوصول إلى السوق.
وفي النهاية، فإن معيار الحسم، وفق هذه القراءة، لن يكون كثرة الاتفاقيات أو قوة الخطاب السياسي، وإنما من يستطيع إيصال الغاز إلى أوروبا بأقل تكلفة، وأعلى موثوقية، وأسرع تنفيذ، وبأفضل عائد للمنتج والمستثمر ودول العبور.