قرن على خروج الدب المارد
ما يحدث في المشرق والمغرب، نهاية لبداية، هو في الأصل بداية لنهاية! فالأنظمة والحدود الحالية هي وريثة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى ومخطط تقسيم العالم العربي وتفكيك العالم الإسلامي إلى عالم عربي ومغرب ومشرق وشرق أوسط بدوله الإقليمية الحالية، وهو المخطط الذي رسمته كل من فرنسا وبريطانيا من خلال وزيري خارجيتهما “سايكس وبيكو”! هذه الدول، الوريثة لخلافة الأتراك العثمانيين، هي نفسها اليوم التي تعاني من الحروب والدمار بفعل الثورات الداخلية والتدخلات الخارجية.
بعد الحرب العالمية الثانية، عرف العالم تكتلات جديدة وقيام قوى جديدة نووية بالأصل، انقسمت إلى معسكرين” اشتراكي بزعامة روسيا، ومعسكر غربي بزعامة أمريكا! وكان على العالم العربي أن يعمل على الخروج من دائرة الاحتلال والهيمنة التي فرضها المعسكر الغربي من خلال بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، أن يبحث عن مساعدات خارج هذه الدائرة الغربية الرأسمالية المهيمنة، فكان المعسكر الاشتراكي النامي بعد الحرب العالمية الثانية والذي خرج منه الاتحاد السوفيتي رغم الخسائر الباهظة، قويا عسكريا وسياسيا، فكان على هذه القوة الصاعدة أن تساعد الدول المستعمَرة على الخروج من الهيمنة الغربية من خلال ما يسمى بدعم حركات التحرر الوطنية! هكذا كانت فلسطين ومصر والجزائر وسوريا والعراق وليبيا واليمن مثلا، رغم خصوصية كل بلد في تعاملاته مع السوفييت!
هذه الدول التي تعرف اليوم هذه الثورات والدمار الداخلي بالخارج والداخل على حد سواء، إنما هي انقلابات ضد الخيار “السوفييتي” سابقا، أي ضد مصالح الروس حاليا! فالحرب الباردة رغم خمودها بعد غورباتشوف وتحطيم جدار برلين، إلا أن الزحف الاقتصادي والتقدم على الحدود مع جمهوريات السوفييت سابقا، المستقلة بعضها عن الروس حاليا، جعل من الحرب الباردة تشتعل مرة أخرى! فقد اتضح لروسيا أن الغرب وأطماع أوروبا وأمريكا في محاصرة الدب، صارت واقع حال من خلال دعم “الربيع العربي” والانتفاضات المسلحة هنا وهناك. هذه البلدان، كانت إلى وقت قريب، حليفا تاريخيا واستراتيجيا لروسيا الاشتراكية التي إن تخلت عن دعمها لها، إنما كان بسبب إضعاف المعسكر الرأسمالي لروسيا الاشتراكية بداية من الثمانينات! غير أن روسيا اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه قبل “الغلاسنوست” والبرترويسكا”، وهاهي تنتقل من الدفاع إلى الهجوم والتدخل في سوريا بشكل كبير، بعد أن عجزت عن التدخل في العراق سابقا بسبب ضعفها الظرفي.
في كل هذا، الصراع على العالم العربي صار صراعا بين قطبين: الروس والغرب! هذه المعادلة وجدنا نحن أنفسنا إزاءها في حيرة من أمرنا! مختلفين مع من نقف وفي أي صف نجلس وأي مقعد نحتل على منصة المشاهدة لما يحدث! وكان أن اختارت الدول الداعمة لأمريكا والغرب، الداعمة لها من المنطلق كل من أمريكا وأوربا، منها دويلات الخليج وبعض المملكات، اختارت أن تقف في صف “الموالاة” للغرب لارتباط مصالحها معه بالأساس لأنها دول اعتمدت على أمريكا والغرب في بروزها كدول، فيما بقيت أخرى المدعومة سابقا من طرف الروس، في موقف مغاير، إما لكونها صارت هدفا للغرب وإما لأنها تشعر أن الدور سيأتي عليها! هكذا، ساعدت سوريا الغرب وأمريكا ودول الخليج على الدخول إلى بغداد وإسقاط نظام صدام، رغم أن الكل كان يعرف أن الدور سيأتي على نظام الأسد يوما بعد أن يعزل صدام كورقة أولى! وهكذا بدأت الأوراق “الروسية” تتهاوى تباعا! وكانت الجزائر أول المستهدفين من دول المغرب العربي ولا تزال في قائمة الرغبة في إخضاعها لإخراجها من دائرة “الممانعة”.. والهدف كله: الدفاع عن إسرائيل وتوسع هذا البلد السرطاني في الشرق الأوسط ضمانا لبقائه ولتطور الشبكة الاقتصادية لهذا الكيان الضامن لاستمرار الغرب الأمريكو أوربي.
نمت على هذه التصورات التي صارت تقلق الجميع، لأجد نفسي وأنا على أهبة توديع عام جديد، للدخول في قرن جديد، قرن على مرور الثورة البلشفية في روسيا القيصرية في أكتوبر 1917!
قرن مضى على انهيار روسيا القيصرية، ليبدأ من جديد مع 2017، بروز هذا الدب القطبي بلباس أبيض بعد أن كان لونه أحمر بني!
وجدت نفسي أحاور “لينين” وهو يخاطب الفلاحين والعمال المقهورين بفعل الإقطاع ويدعوهم إلى الثورة ضد الملاك والدين والكنيسة الأورثودوكسية المتحالفة مع الإكليروس ويقول لهم بلغته الروسية التي كان يلثغ فيها بلسانه الثقيل: سوف نتغلب على الطواغيت ونؤسس الخلافة الشيوعية في روسيا وفي العالم! سننقل روسيا من نظام الإقطاع إلى نظام اشتراكي تعاوني!”
تقدمت منه وقلت له: أنت هو شيخ الإسلام في هذا البلد؟ قال لي: نعم، ياشيخ الإعلام، ماذا “تغيد أن تعغف”؟ قلت له: أنا من بلاد الأمير عبد القادر الجزائري وقد جئت لأسأل عن فتوى محاربة الاستعمار الفرنسي بعد أن أرغمنا هذا الأخير على التجنيد الإجباري لمحاربة تركيا وألمانيا منذ 1912! قال لي: لا “تحاغبوا” معه عدوا، بل “حاغبوه” سفليا وعلوا، وإلا “سيحاغبكم” طول الأمد مليا، حتى وإن أخذتم استقلالكم جليا! قلت له: كيف هذا يا رفيق؟ قال لي: الغول لا يشبع من سفك الدماء و”ستعغفون” كم هي متغولة هذه “الغأسمالية” العالمية، لأن “غأس المال” لا حدود له ولا نهاية لأطماعه! “الغبح” هو دين وديدان أهله من “الغأسماليين”! نحن “سنحاغب” هذا التنين لأنه سيأتي على “الأخضغ” واليابس! “الغأسمالية” في بعض الدول “الأوغوبية ظهغت” للعيان كما وصفها “ماغكس” وإنجلز: متغولة و”إمبغيالية” لا تتوقف عن حدود معينة وإن لم “نقهغها في عقغ داغها” مع الإقطاع، فستقطع على الشعوب “طغيق” التقدم والانعتاق! قلت له: ولكنكم أنتم أيضا متهمون بإراقة الدماء والمادية الإلحادية التي لا تعترف بشيء غير الحياة هذه! قال لي: وماذا يفيد إيمان الغرب والرأسمالية إذا كانت تظلم وتقهر وتعذب وتسفك الدماء؟ الإيمان شيء آخر لا يوجد! قلت له: نحن في الجزائر المحتلة مؤمنون بالقضاء والقدر ونصلي ونصوم ونؤمن ونوحد، لكننا لا نقوم بهذه الأعمال! قال لي: ستستقلون يوما عن “فغنسا” وستفعلون الأفاعيل في بعضكم بعضا وأنتم تُصلون وتصومون وتؤمنون وتوحدون! (لم أفهم: هذا رجل ثائر، حمار أم فقيه متصوف!)
تركته يخطب وقد نزع على رأسه القبعة وراح يخطب من جديد وهو يمسح على نصف لحيته التي اقتبس جزءا منها من ماركس والجزء الثاني من إنجلز: أيها “الغفاق”، سنقضى على”الإمبغاطوغية الأغستقغاطية” وسنواصل زعفنا “الأحمغ” نحو “الشغق الغغب” وفي “أوغوبا” من خلال أحزب العمال والفلاحين وسوف نصل إلى “إفغيقيا” و”نحغغ” البلدان التي احتلها “الغغب الغأسمالي” المتعفن! سنساعد “الحغكات التحغغية” ونقيم دولا أحادية النظام، أحادية الحزب، أحادية الزعيم!وإذا فشلنا، فلن “نغكن” إلى الخوف ولا إلى الصمت، سنعيد “الكغة” عليهم إلى أن نجعل من العالم شيوعيا..

وأفيق وأنا أقول وأخبار العراق وسوريا وإيران ولبنان واليمن في آذاني:….أو شيعيا!