قطاع التربية إلى أين؟
يجمع المهتمون بشؤون التربية وأهل الاختصاص بأن القطاع يسير نحو غد مجهول ومعقد بسبب المسؤولين المسيرين له، الذين ليس لهم خطة واضحة ورؤية استشرافية على المديين القريب والمتوسط على الأقل.
والمتتبع للشأن التربوي يلاحظ الاهتمام المتزايد بالتسيير الإداري على حساب التسيير البيداغوجي بدءاً من القاعدة إلى القمة، حيث اجتمع المفتش العام بوزارة التربية في المدة الأخيرة مع المفتشين الإداريين للتعليم الابتدائي، ولم يجتمع مع المفتشين التربويين المنتمين لنفس المرحلة بمناسبة انطلاق الموسم الدراسي الجديد لتقديم توجيهات للمفتشين الإداريين. أضف إلى ذلك تكوين لجنة متابعة الدخول المدرسي على مستوى ولايات الوطن والتي تضم مفتشين من الإدارة ومفتشا تربويا، والقرار الأول والأخير دائما بيد المفتش الإداري. ونفس التهميش طال حتى المفتشية العامة للبيداغوجيا على مستوى الجهاز المركزي بالوزارة، حيث نصب المفتش العام للإدارة كمنسق عام للمفتشيتين العامتين للإدارة والبيداغوجيا؛ أي بمعنى كل التقارير والاقتراحات لا تمرّ إلى الوزيرة، إلا بعد أن يطلع عليها السيد المفتش العام للإدارة وربما يقبله أولا يقبله، بالرغم من أن هذا العمل يتناقض تماما مع مهام المفتشية العامة للبيداغوجيا بناء على ما جاء في المرسوم الرئاسي الذي ينص صراحة على أن المفتشية العامة للبيداغوجيا تراسل مباشرة السيد الوزير في كل مراسلاتها مهما كانت طبيعة ونوع المراسلة، بينما ما يجري في الواقع شيء آخر، والهدف واضح من هذا كله هو تحكم الجهاز الإداري في التسيير البيداغوجي كما ذكرت آنفا.
أما إذا رجعنا إلى الميدان وما يجري فيه، فالوضع أدهى وأمر، تصوروا أن المفتش التربوي يُجرّد من مكتب وكاتب وجهاز إعلام آلي وغيره من وسائل العمل وتُعطى هذه الوسائل لزميله المفتش الإداري.. والسؤال المطروح هو: أين يكتب تقرير التفتيش التربوي، في المقهى أم في بيته؟ هل بهذه الأساليب نحسّن المستوى؟ والمصيبة حتى بعض مديري المؤسسات التربوية يتعاملون بنفس الطريقة التي تتعامل بها الوزارة لسلك التفتيش التربوي، فعندما يزور مفتش تربوي المؤسسة قصد القيام بتفتيش لمعلم أو أستاذ فإن المدير لا يكلف نفسه حتى عناء استقبال ومرافقة المفتش المعني بالزيارة فيكتفي بتوجيه المفتش إلى رقم القاعة التي يتواجد فيها الأستاذ وهو جالس في مكتبه، لكن إذا جاء مفتشٌ إداري إلى المؤسسة فإن مدير المؤسسة يُحدث فيها حالة طوارئ، زيادة على الاستقبال الحار وتحضير وجبة الغداء وما إلى ذلك. وهكذا تتعامل الوزارة مع الإطارات التربوية البيداغوجية بهذه الدرجة من التهميش، ومع ذلك تطلب منهم العمل على تحسين مستوى التلاميذ في اللغة العربية والرياضيات.. أمرٌ غريب فعلا ما يحدث في هذا القطاع.
أما إذا نظرنا إلى التسيير الإداري، وبالرغم من توفير وسائل العمل المطلوبة للمسيرين الإداريين، فإننا نلاحظ عدم التحكم في الإحصاء ونذكر على سبيل المثال: إحصاء الموظفين وكذا المناصب الشاغرة، أي احتياج المؤسسات التربوية من المعلمين والأساتذة على مستوى الولايات في كل سنة، الأعداد التي تُعطى للوزارة غير دقيقة وغير صحيحة في أغلب الحالات، وهو ما وقع هذه السنة حيث أحصت الوزارة عدد المعلمين والأساتذة الذين يُوظفون في القطاع بعد إجراء المسابقة أكثر من 23 ألف بين أستاذ ومعلم، وبعد إجراء المسابقة والتوظيف اتضح أن العدد الحقيقي الذي يحتاجه القطاع هو 30 ألفاً، أي بنقصٍ يبلغ 7 آلاف موظف آخر عن العدد الذي كان مقررا توظيفه. وبعد التحقيق وبعملية حسابية أخرى اتضح أن الإدارة لم تأخذ في الحسبان الموظفين الذين شاركوا في مسابقات مديري الابتدائي والمتوسط والثانوي والذين نجحوا، وبالتالي ظهرت مناصبهم شاغرة بعد ذلك، فهل يعقل في قطاع كقطاع التربية موظفوه كلهم مثقفون، أن يعجزوا عن إحصاء الموظفين الذين خرجوا للتقاعد والذين ترقوا إلى مراتب أخرى ليقعوا في هذا الخطإ الفادح؟ ومع ذلك تقول السيدة الوزيرة إن لديها إستراتيجية تربوية إلى غاية 30 سنة.. أي إستراتيجية هذه والوزارة لازالت لم تتحكّم بعد حتى في الاحتياجات الموسمية من التأطير التربوي؟ وفضلاً عما سبق، لازال التلاميذ من دون معلم ومن دون أستاذ في عدد كبير من المؤسسات منذ انطلاق الموسم الدراسي إلى الآن، أي منذ 3 أسابيع، فكيف يستدركون هذا التأخر ليلحقوا ببقية زملائهم الآخرين؟ زيادة على هذا المشكل هناك الكثير من التلاميذ في مختلف المستويات لم يتحصلوا على الكتب المدرسية المقررة لهم، وهناك الكثير من المطاعم المدرسية لم تُفتح بعد لأسباب مختلفة كنقص اليد العاملة المؤهّلة، وبعضها لعدم جاهزية البناية وهلم جرا…
لازال التلاميذ من دون معلم ومن دون أستاذ في عدد كبير من المؤسسات منذ انطلاق الموسم الدراسي إلى الآن، أي منذ 3 أسابيع، فكيف يستدركون هذا التأخر ليلحقوا ببقية زملائهم الآخرين؟ زيادة على هذا المشكل هناكالكثير من التلاميذ في مختلف المستويات لم يتحصلوا على الكتب المدرسية المقررة لهم، وهناك الكثير من المطاعم المدرسية لم تُفتح بعد..
وقد يقول قائل إن كل القطاعات في الجزائر تعاني من هذه المشاكل، وهنا نقول نعم في قطاع الفلاحة، لأنه يتأثر بالعوامل الطبيعية أو قطاع التجارة لأنه يتأثر بالعوامل الخارجية الدولية ولا يمكن التحكّم فيه جيدا، لكن قطاع التربية يُفترض أن لا يقع في هذه الفوضى وهذه المتاهات لأنه يسير بالتخطيط المسبّق والرؤيا الواضحة والتحكم الجيد ولا مجال فيه للصدف أو العشوائية مثل ما هو واقع حاليا في قطاع التربية، وهنا تذكرت حكاية حكاها لي أحد أعيان القرية حيث قال لي: في سنوات الثمانينيات أنتخب رئيسُ بلدية كبير في السن وليس له أي مستوى من التعليم ومع ذلك أنتخب كرئيس بلدية، وفي يوم من الأيام احتجّ أهل القرية ضد شيخ البلدية طالبين منه إحداث مشاريع تنموية لقريتهم وتوفير مناصب الشغل
لشباب تلك القرية، فاستجاب لهم، ومن بين المشاريع قرر بناء جسر بين القرية وأحد الأودية المجاورة ولما تم الإنجاز ودُشن الجسر، سقط المطر، وعندها اتضح أن مياه الوادي تمرّ بعيدة عن هذا الجسر لأن الجسر شيِّد على مكان مرتفع ويستحيل أن يمر الماء تحت الجسر، وهنا أمر رئيس البلدية سكان القرية بالعمل على توجيه الماء نحو الجسر حتى لا يقال له “أخطأت ولم تستشِر الخبراء والاختصاصيين في مثل هذه المشاريع” ولكم أن تتصوروا عندما يقع شيءٌ من هذا القبيل في قطاع التربية كيف تكون الأمور؟!