“قلعة تمنفوست”.. هنا تصنع الجزائر قادة قواتها البحرية
على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، تنتصب المدرسة العليا للقوات البحرية بتمنفوست “المرحوم المجاهد اللواء محمد بوتيغان”، بشرق العاصمة، كقلعة للتكوين العسكري والبحري، أين يصنع الضباط المستقبليون الذين يتولون حماية المياه الإقليمية للبلاد والحفاظ على سيادتها وأمنها، وخلف البوابات المشدّدة، فتختلط أهازيج التدريبات بنداءات الضباط، وتتجلى فيهم روح الانضباط والالتزام، تفتخر بلادنا بواحدة من أقوى المدارس العليا للبحرية، التي تسهر على إعداد أسطول بحري لا يقهر يعيد للجزائر أمجادها وتسيّدها للبحر.
تعد المدرسة العليا للقوات البحرية في تمنفوست حجر الأساس في بناء النخبة البحرية الجزائرية، هناك، لا يكتفى الطلبة الضباط بالتلقين النظري فقط، بل يخضعون لتكوين مكثّف يشمل المحاكاة الملاحية، تقنيات الرادار باستخدام أجهزة حديثة ومتطوّرة، أمن السفينة، والتدريب البدني القتالي، ليكونوا جاهزين لمواجهة أي طارئ حين يعتلون السفن الحربية.
ضمن المخطط الاتصالي للجيش الوطني الشعبي، الذي يهدف إلى التعريف بهذه المؤسسة التكوينية العسكرية وتكريسا للعمل الجواري وتعزيزا لرابطة جيش- أمة، نظّمت المدرسة العليا للبحرية في تمنفوست “المرحوم المجاهد اللواء محمد بوتيغان”، الأربعاء 05 فيفري الجاري، زيارة موجّهة لفائدة ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، والذي يدخل ضمن إستراتيجية القيادة العليا للجيش في حماية المياه الإقليمية، “الشروق” كانت لها الفرصة لقضاء يوم كامل داخل هذا الصرح العسكري، ورصدت من الداخل كيف يصنع ضباط البحر، وكيف يتم إعدادهم ليكونوا درع الجزائر العائم فوق المتوسط، ما شاهدناه من تكوين صارم، وتدريبات عملية، وانضباط عسكري، وتقنيات متطوّرة ، سيجعل من خريجي هذه المدرسة مستقبلا قوة لا يستهان بها، جاهزة للدفاع عن المياه الجزائرية تحت أي ظرف.
وبين ساحات التدريب وقاعات المحاكاة المتطوّرة، وبين ضغوط الدراسة ومتطلبات الحياة العسكرية، يعيش الطلبة يوميات لا يعرف تفاصيلها الكثيرون، كانت لنا الفرصة للوقوف على كيفية إعدادهم بيداغوجيا وتقنيا لمواجهة التحدّيات البحرية، فالبحر بالنسبة لهم ليس مجرد امتداد أزرق، بل هو ساحة للصراع، وحدود يجب تأمينها.
الجزائر قوة بحرية عبر التاريخ
جولتنا داخل هذا الصرح انطلقت من متحف المدرسة البحرية، لأخذ جرعة من التاريخ حيث تنتصب شواهد الماضي البحري المجيد، أين تصادفك وثائق أصلية تعود إلى قرون مضت ورسائل القادة حينها، وثّقت كيف فرضت الجزائر سيادتها على المتوسط، وكيف كان الأسطول الجزائري قوة يحسب لها ألف حساب عبر التاريخ، لم تكن الجزائر مجرد دولة ساحلية، بل كانت قوة بحرية يخشاها القراصنة والأساطيل الأجنبية، فمنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم، تواصل القوات البحرية الجزائرية حماية المياه الإقليمية، وبقي البحر خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية.
ونحن نتجول بين أجنحة المتحف، وقفنا أمام تراث وكنز ثمين يعكس قوة بحريتنا عبر الزمن، ومخططات توضّح كيف تصدى الأسطول الجزائري للحملات الصليبية، كما تلقينا في أثناء ذلك شروحات مفصّلة من قبل المشرفين حول كيفية فرض الأسطول الجزائري وقتها وجوده عالميا، وأجبرت الجزائر العديد من الدول لدفع الجزية مقابل المرور الآمن في مياهها، إلى جانب ذلك، تعرفنا على أدوات الملاحة مثل البوصلة والدفة وغيرهما..
الذكاء الاصطناعي وأحدث “الرادارات” لتأمين المياه الإقليمية
تستمر العزيمة والإصرار على حماية الإقليم بحرا بين الأمس واليوم، ولكن بوسائل حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتطوّرة والتدريب المستمر داخل المدرسة العليا للقوات البحرية، فبعد جولة قصيرة بالمتحف، انتقلنا بعدها إلى قاعات الدروس التقنية، حيث يلقن الطلبة أحدث تقنيات المراقبة البحرية والرصد عبر الرادارات، دخلنا القاعة التي يخيم عليها الهدوء، وفيما الطلبة في حالة تركيز وانضباط صارمين، شاركناهم تفاصيل مهمة دقيقة حول كيفية التعرف على الأجسام السطحية والصلبة بالبحر، ورصد التحركات المشبوهة، وتحليل البيانات التي تقدّمها أجهزة الرادار المتطوّرة والشاشات.
كانت المهندسة المكلفة بالدرس والتقنيون المرافقون لها يشرحون للطلبة كيفية تشغيل هذه الأنظمة، يتابعها الضباط الصغار باهتمام كبير، حيث تضمن الدرس المقدّم حول كيفية التعامل مع الإشارات القادمة من البحر، وتحليلها عن طريق الرادار ومتابعته على الشاشة لاتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الفعلي، والتركيز على أن القرار الخاطئ في عالم البحرية قد يعني كارثة، لذا، فإن التدريب هنا لا يقبل الأخطاء، حسب ما كان يسهب في شرحه التقني.
ونحن نبدي إعجابنا بالهدوء الكبير الذي يسود المدرسة وساحاتها الشاسعة ونظامها الصارم، كنّا نتنقل بين مخابرها وحجراتها الواحدة تلوى الأخرى برفقة الضباط والمشرفين على المدرسة ونتعرف على مرافقها البيداغوجية، ووقفنا على الجهد البحثي الذي تبذله المدرسة لإنتاج كوادر بحرية مؤهلة، ووجود مبتكرين قادرين على تطوير تقنيات بحرية محلية، تحت إشراف نخبة من الخبراء، يجري الطلبة داخل مخابر الدراسة المتطوّرة أبحاثا في مجال الهيدروغرافيا، الذكاء الاصطناعي في الملاحة، وأمن السفن ضد الهجمات والأخطار المحتملة، حيث يتعلم الطلبة كيفية تحليل البيانات البحرية، ورسم الخرائط الملاحية، والتعامل مع التقنيات الحديثة التي تضمن بقاء السفن الجزائرية في الصدارة تقنيا.
القمرة الافتراضية.. تدريب على قيادة السفن قبل الإبحار
في قاعة أشبه بسفينة حقيقية، وجدنا أنفسنا داخل القمرة الافتراضية، وهي محاكاة ملاحية متطوّرة تستخدم لتدريب الطلبة على قيادة السفن الحربية والتجارية، والمناورة في المواقف الصعبة، وعلى الشاشة العملاقة أمامنا، كانت المحاكاة تظهر سيناريوهات مختلفة، بدايتها كانت محاكاة لمضيق جبل طارق حيث تدرب أحد الطلاب على المناورة وسط حركة الأمواج المتلاطمة وسوء الأحوال الجوية، والتي يتم التحكّم بها عبر لوحة القيادة حيث يمكن تغيير حالة البحر والتقلبات الجوية والأجسام العائمة والبواخر الافتراضية بلمسة زر واحدة، وكيفية التعامل مع القيادة في جميع الحالات التي يمكن أن تصادف قائد السفينة الحربية مثل هبوب الرياح وارتفاع الأمواج، وكان الطلبة يتدربون على هذه السيناريوهات، ويتلقون التوجيهات الصارمة مستخدمين أحدث تقنيات الملاحة وأجهزة الاتصال، ونظم المراقبة الرادارية، ويكشف لنا المدرب المسؤول عنهم، أن التدريب على المحاكاة يجعلهم مستعدين لمواجهة أي سيناريو محتمل لدى صعودهم على متن السفينة الحقيقية.
أمن السفينة.. مواجهة الأخطار وسط الأمواج
من القمرة الافتراضية مباشرة، انتقلنا إلى مركز التدريب على أمن السفينة، حيث يتعلم الطلبة كيفية التصدي للحالات الطارئة، مثل تسرب المياه، الأعطاب المفاجئة، والحرائق داخل السفينة، ونحن نتابع التدريبات عبر شاشات المراقبة، شاهدنا الطلبة يرتدون الأقنعة الواقية للأكسجين، ويتدربون على تركيبها بسرعة خلال ثوان معدودة، قبل الدخول إلى منطقة مملوءة بالدخان لمحاكاة سيناريو حريق داخل السفينة.
وعبر نظام المراقبة الرقمية “ديجيتال”، تابعنا كيفية إدارة هذه التمارين عن بعد وتقييم مستوى الطلبة، حيث يتم تحليل أداء الطلبة، وقياس سرعة استجابتهم، وتقييم قراراتهم في اللحظات الحرجة، إلى جانب العمل على إصلاح الأعطاب التي تصيب السفينة والتي تتسبّب في تسرب المياه باستعمال المعدات الموجودة وفي ظرف زمني قياسي.
التدريبات البدنية.. قوة وجاهزية تحت أي ظرف
البحر لا يرحم من لا يملك القوة واللياقة، لذلك تولي المدرسة اهتماما بالغا بالتدريب البدني، داخل القاعات لمختلف الرياضات، استمتعنا بالعروض لبعض التخصّصات، أين يخضع الطلبة لتدريبات وتمارين قوة، واختبارات تحمّل قاسية، تضمن لهم الجاهزية التامة عند أداء المهام القتالية، من الملاكمة والجيدو، إلى السباحة، يتم إعدادهم بدنيا ليكونوا قادرين على التعامل مع أي وضعية طارئة سواء في الماء أو على متن السفينة، ومن جهة أخرى، برمجة حصص الرياضة كنوع من الراحة والترفيه للطلبة، وبحسب ما سرده له لنا المشرفون، شاركت المدرسة في عدة بطولات وطنية بين المدارس العسكرية، كما كانت لها الفرصة لإعداد رياضيين لفرق النخبة للمشاركة في البطولات العسكرية لتمثيل الجزائر بالمحافل الدولية، مما يجعلهم لا يكتفون بأن يكونوا محاربين فقط، بل رياضيين من المستوى الأول.
اللواء أحمد مرزوق: “قوة الجزائر في قوة بحريتها”
أكد اللواء مرزوق أحمد، قائد المدرسة العليا للبحرية بتمنفوست، أن هذه المؤسسة التكوينية تعد قطبا تعليميا عريقا بني على أسس تاريخية وعلمية ومنهجية حديثة، بهدف تكوين ضباط ذوي كفاءة عالية قادرين على أداء مهامهم بكل احترافية مستقبلا.
وأوضح اللواء، على هامش الزيارة، أن المدرسة تتوفر على هياكل بيداغوجية متطوّرة، تضمن تكوينا أكاديميا وعمليا عالي المستوى، إلى جانب مخابر متخصّصة تمثل حلقة تدريب هامة للطلبة في مختلف التخصّصات، منها الملاحة البحرية، الميكانيك البحرية، الاتصالات، المحافظة البحرية، وتسيير وإدارة الشؤون البحرية.
وأردف أن المؤسسة توفّر بيئة مثالية للمتربصين بفضل المنشآت الحديثة والدعم الكبير الذي تتلقاه من القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، مما يضمن تكوينا نوعيا يواكب التطورات التكنولوجية الحديثة في المجال البحري.
ووصف اللواء مرزوق أحمد، المدرسة العليا للبحرية بأنها فضاء عسكري، ثقافي متفتح على البحر الأبيض المتوسط، يعكس الرؤية الإستراتيجية للجزائر في الحفاظ على مجد قوتها البحرية، وتعزيز قدراتها الدفاعية لحماية حدودها البحرية والسيادة الوطنية، كما ركّز اللواء، خلال حديثه، على تاريخ البحرية الجزائرية منذ ما قبل الفترة العثمانية، وسيطرة أسطولها عالميا على المياه الإقليمية للبحر المتوسط، قائلا إن “قوة الجزائر في قوة بحريتها”.