كبش برتبة رونالدو!
عيد هذه السنة وإن كان لا يختلف عن بقية الأعياد، إلا أنه جاء في عز التقشف وفي عز الدخول الاجتماعي والدراسي الذي يعني بالنسبة لنا جميعا، “ميزانية إضافية”! ليس هذا فحسب، إنه يأتي مباشرة بعد عطلة صيف تطلبت هي الأخرى مصاريف فوق العادة! وأكثر من ذلك أيضا، الصيف جاء بعد عيد الفطر مباشرة، أي بعد مصاريف لا تقل أهمية عن مصاريف عيد الأضحى! فقط أن الأول “حلو مذاقه” فيما الثاني “مالح طعمه”! وقبل هذا أيضا، كان شهر رمضان، الذي هو شهر “السرف” في المصروف، وبامتياز! فنحن لا نصوم لكي نفطر، بل نفطر لكي نصوم!
بعد كل هذه المناسبات التي تتطلب مصاريف استهلاكية، كل واحدة أكثر من أختها، وجدت نفسي أنا المواطن المطلوب مني أن “أتكشف” طويلا وأجوع قليلا لكي ترتاح الدولة كثيرا، وجدت نفسي أبحث عن ممول لي عند الموال! وجدت نفسي بحاجة على مال لكي أشتري به كبش العيد فاستلفت مليونا ونصف مليون سنتيم! لقد تعودت على أكل اللحم “من العيد للعيد”، لأني في غالب الأوقات لا آكل إلا الدجاج! وبما أن الدجاج صار في مرتبة لحم الخروف تقريبا، قلت، لماذا لا أشتري الدجاج العربي أو السردوك الرومي لأضحي هذا العام مادام أن “المدام” لا تفتأ تصرخ في وجهي: “إذا اللحم راه غالي بزاف اشرينا الدجاج! الدجاج حتى هو ماراهش رخيس ياسر!”، لكن لما ضربت الحساب، وجدت أن دجاجة أو حتى 5، لا تكفي “لجراد” الدار! فأنا عندي قبيلة في البيت! والكل يحب أكل اللحم كما لو كانوا ضواري وسباع! أنا الوحيد الضبع فيهم والبقًار! الذي لا آكل إلا “البقري” وهذا بسبب الكوليسطيرول! زوجتي تحب لحم الخروف رغم أنها تزن قنطارا ونصف القنطار! ورغم أنها تداوي ضد الشحوم والزيوت والسكر وكل منتجات ربراب، إلا أنها مع ذلك لا تبالي وتطالبني باستمرار باللحم وفي أحسن الأحوال بالدجاج العربي، كون الدجاج العربي أو السردوك الرومي ذي الطابع العربي، أي الديك الرومي الذي تربى بطريقة عربية في الخلاء، وليس عن طريق “قلة” التربية التي تقوم بها حاضنات الكهرباء، لحمه يشبه لحم الضأن!.. لكن سعره.. أيضا!
كل هذا، جعلني بعد الحسابات، أختار شراء كبش عوض أن أشتري 10 دجاجات أو 3 من الديوك الرومية لكي أعوض لـ12 فردا وبقرة عندي في البيت، عما يقابل كبشا في عيد اللحم! هذه “الملحمة” التي ينتظرها جميع الجزائريين والمسلمين مثلي ومثلي أبنائي البررة آكلي اللحوم كما لو كانوا ذئابا ودببة، على أحر من الكانون والمجمر!
أخذت جاري بـ”فرياطته” المتمثلة في “زاسطافا” لسنة 81، تسير على “قدم وساق” بعد أن استبدل عجلاتها بعجلات مختلفة المقاييس: العجلة الأولى استبدلها بعجلة لتراكتور أمامية، وعجلة أخرى خلفية لحافلة صغيرة وأخرى لشاحنة صينية من نوع “الحشرات”! أما المحرك، فيعلم الله كيف كان يدور، المهم أنها تمشي على “قدم وساق” والسلام! وصلنا إلى المرشي، مغشيا علينا من التعب بعد مسافة 10 كيلومتر قطعناها في 3 ساعات ونصف مشيا على العجلات!
الكباش المعروضة للبيع التي ساومناها من باب الفضول، لا ترقى إلى طموحي في كبش يفي بالغرض لعائلة مكونة من 12 فما وكرشا! لهذا لم تعمّر لي عيني! وعندما وصلت إلى نهاية سوق الماشية في أقصى نهاية الطريق الذي تحول إلى ساحة وغى من فرط كثرة السيارات المركونة كيفما اتفق: واحدة متوقفة بالعوجي وأخرى مركونة نصفها فوق الرصيف ونصفها في وسط الطريق، والمشاة الذين كانوا يتدفقون من كل حدب وصوب جارين وحاملين ومتأبطين كباشا أو قططا أو أرانب لست أدري، مهرولين باتجاه سيارات معرمة متراكمة كأنها في “لاكاص”! هذه فوق هذه! الشعب يحب الفوضى حتى في التوقف والاصطفاف! لا يحب النظام والتنظيم! عوض أن يدخل الرجل سيارته في مكان واحد، يأخذ مكان ثلاث سيارات أو أكثر! يتوقف وسط الطريق ويترك سيارته لعساس لا ندري من أين جاء ومن أين خرج ولا كيف يحرس ولا من طلب منه أن يحرس! لا تراه عند التوقف، وتجده ينتظر عند الباب عندما تهم بالإقلاع! العساس لا يعس على السيارة عندنا، بل يعس صاحب السيارة حتى إذا ما جاء مقلعا، يأتيك بعصاه ليهش به عليك وعلى غنمه وله فيها مآرب أخرى! وعليك أن تدفع ثمن الحراسة أو لنقل ثمن التوقف لشخص، نصب نفسه حارسا وجامعا للإتاوات والضرائب! أخطينا منهم! أين كنت؟ نعم.. مع الكباش التي تعمر العين! بل، قل، التي تفقأ الأعين! سألت أول موال عن كبش بدت لي قرونه ليس مثل أقرانه: شحال راهم عاطينك في هذا الحية؟ قال لي: 7 ونصف! قلت له: ما نيش نقول لك واش من ساعة كنت هنا، باش تقول لي راني هنا من 7 ونص، قلت لك شحال عطاوك في هذا الكبش؟ قال لي: راني نقول لك سبعة ونص! قلت له: آآآه؟ سبعة ونص؟ سبعة نتاعاش؟ سبعة واش؟ 7 ميات ألف؟.. نعطيك 800! الله يربح! قال لي: راك مضروب للراس وإلا راك تتبهلل علي آآآمحمد! 7 ملايين ونص! منين راك جاي؟ من السماء؟! قلت له وأنا أفتح فمي وصاحبي، صاحب السيارة يعني، يقرص فيّ بأن نتركه ونذهب، لأن السعر غالي جدا قياسا لما جئت من أجله! فأنا قد جئت لشراء كبش وليس رونالدو! تركته وأنا فاتحا فمي وألتفت إلى الخلف، فيما صاحبي يجرني بعيدا باتجاه كبش آخر بدا لي أقل بقليل من حجم هذا الأقرن إذا ما قارنته به! سأل صاحبي هذا الثاني، لأني كنت مازلت فاتحا فمي من هول الصدمة، والماء يسيل من فمي مثل قط أكل السم! وأسمع الموال يرد على السؤال:…و300! سمعت فقط هذا:…..و300! سألت صاحبي:….و300 هذا؟..واش سمعت مليح وإلا هذا هو الكلام اللي قاله؟ رد علي البائع رافعا صوته يعتقد أن لا أسمع:…و300! هذا اللي راهم عاطيني فيه! قلت له:”و300 هذه، غير وحدها وإلا معها شي حاجة أخرى!”، فقد اعتقدت أن سعره هو 300، دون أن أعرف ما معنى 300! هل هي 300 ألف، 3 ملايين.. 30 مليونا؟ ماوليتش نفرق بين الأسوام! قال لي: 6 و300! قال لي صاحبي ليفسر لي أكثر: راه يقول بللي عطاوه 6 ملايين و300 ألف ومابغاش يبيع!
تركناه ورحنا ندور ونلف وندور ونعود إلى المكان الأول ثم نلف ونلف فلم أجد ما يناسب ميزانيتي التي لا تتعدى مليونا، سوى خروف ما يزال يرضع، يباع مع أمه النعجة بنت الكلب! نعجة تبدو أضلاعها بائنة ولا يمكن لأحد أن يضمن حياتها بعد وصولها للبيت في هذه الفرياطة أو في غيرها في حال شرائها! قال لي البائع: الخروف بواحد ونصف إذا أديته مع أمه! قلت له: والشيبانية نتاعه شحال تدير؟ قال لي: زوج! قلت له: معناه 3 ونصف بالمرأة بولدها؟ علاه آخويا باغي نتزوجها؟ أنا ندي عليك غير الولد! قال لي: بزوج ونصف نخليه لك!

الحاصل ما تفاهمناش وعدت للبيت بلا كبش ورحت أخرج الأوراق من جيبي الخلفي متنرفزا، لكي أدفع 2000 دينار، على باطل، لصاحب السيارة، من ميزانية الكبش الذي لم أشتره! بماذا أتفاجأ: أولاد الحرام خونوني! سرقوا مني كل الميزانية المرصودة للعيد! آآآبويا! آآجدي آآآخويا آآآآيما..
وأفيق وأنا أصرخ كالمهبول: آآآآحنا نورية.. آآآعمتي مسلم.. آآآوزير الفلاحة… آآآخالتي هدى!