“كل كتبي تتمّة للبوصلة القرآنية.. والجزائريون أكثر الشعوب العربية قراءة”
مرة أخرى، يكتب الدكتور أحمد خيري العمري في تأمّل آيات القرآن الكريم، وفي السيرة النبوية. في إصداريه الجديدين عن دار “عصير الكتب”: “عاجل سرّي وشخصي”، و”عندما طلع البدر علينا” المتمّم لسابقه “السيرة مستمرة”.
في هذا الحوار يخبرنا العمري عن مكانة كتابه الأول “البوصلة القرآنية”، الصادر قبل 22 سنة، بين بقية كتبه. وعن السرّ الأدبي وراء الحضور المتكرّر للمهندسين المعماريين في أعماله الروائية.. وأشياء أخرى.
حاوره: محمد عبد المؤمن

جانب من مؤلفات أحمد خيري العمري
“عاجل سرّي وشخصي” يبدو تتمة لإصدارك السابق “القرآن نسخة شخصية”، وكذلك الأمر بالنسبة لكتابك الصادر حديثا “عندما طلع البدر علينا” المتمّم لسابقه “السيرة مستمرّة”. ما الدافع لأن يكون كلا الإصدارين الجديدين تتمة لإصدارين سابقين؟
“عاجل سري وشخصي” ليس بالضبط تتمة لأي كتاب. لكنه مشابه لكتاب “القرآن لفجر آخر” (وليس “القرآن نسخة شخصية”)، وهو الكتاب المستند على نصوص حلقات لبرنامج بنفس العنوان.
هناك وجهان للشبه، الأول أنه كتب ليكون نصوصا لبرنامج لم ير النور حتى الآن، بسبب ظروف الثورة في سوريا. والثاني أنه يشمل، مثل سابقه، تأملات في آيات قرآنية.
والتأملات في القرآن لا يمكن أن تتوقف برأيي، هذا جزء من طبيعة القرآن الذي يشحذ التفاعل المستمر معه، وينتج باستمرار تأملات متنوعة.
أما مع كتاب “عندما طلع البدر علينا” فأنت محق تماما، فهو بالتأكيد استمرار لكتاب “السيرة مستمرة”، الذي شمل السيرة المكية فقط. وكان من الطبيعي متابعة الرحلة بعد الهجرة.
لكن دعني أعترف لك بشيء آخر. كل كتبي هي تتمة لكتابي الأول: البوصلة القرآنية.
إن الفهم الواعي العلمي للتاريخ، وخصوصا تاريخ البعثة النبوية، يرتبط وبشكل جوهري ومركزي بكل الأحداث التاريخية اللاحقة حتى عصرنا الحالي. فهذه المرحلة تمثل نقطة البدء للحضارة الإسلامية بكل دولها وعصورها، وازدهارها وانحطاطها المستمر إلى يومنا هذا. وإرهاصات تلك الفترة لا تزال مغروسة بعمق في التكوين النفسي والاجتماعي والحضاري للمسلمين – أفرادا وجماعات – مع وجود الاختلافات العميقة التي فرضت نفسها عبر قناتي التاريخ والجغرافية. فالفهم العلمي والدقيق لتلك الفترة هو من جهة أخرى فهم لنا، لأنفسنا، لتكويننا النفسي والتاريخي، لوعينا وللاوعينا.. وهو من باب أولى: فهم لآلية التغيير الحضاري المنشود لأمتنا ككل.
(من كتاب “البوصلة القرآنية”، دار الفكر، ص: 36).
طوال السنوات الأربع الماضية، كنت تعود للكتابة في السيرة النبوية لشحن “بطاريتك النفسية” بين عمل وآخر، حتى اكتمال كتابة “عندما طلع البدر علينا”. لماذا كنت بحاجة إلى ذلك، وكيف تفعلها السيرة والكتابة عنها؟
أعتقد أننا جميعا بحاجة لذلك، لكن البعض لا يدرك ذلك بعد. شخصيا لاحظت أثر السيرة عندما كنت أعمل على ملف الإلحاد في كتاب “ليطمئن عقلي”، وكان عليَّ أن أتعامل مع حجج الملحدين كما وردت على ألسنتهم عبر مجموعة أنشأتها على الفيسبوك.
بعض هذه الحجج (وليست جميعها) كانت تعكس وضعا نفسيا بالغ الضعف والاضطراب والهشاشة، وكان ذلك محزنا للغاية بالنسبة لي -إلى درجة الاكتئاب- فكان ترك الملف قليلا والاتجاه إلى السيرة، يعيد لي عافيتي النفسية. الأمر الذي يساعدني على العودة إلى الملف مجددا وهكذا.
مررت في السنوات الأربع الماضية، بظروف جعلتني أدرك أكثر الأثر النفسي الإيجابي للسيرة النبوية.
كيف تفعلها السيرة؟ لا أعرف بالضبط آلية ذلك. لكنني أعتقد أن مجرد الاقتراب من “كمال شخصية” الرسول عليه الصلاة والسلام، يمنح نوعا من التوازن النفسي والقوة.
وأعني بذلك التعامل مع سنته وسيرته ككل متكامل، وليس كمواقف منفردة منفصلة عن بعضها البعض.
معانٍ أخرى لنشيد “طلع البدر علينا”
كيف كان اختيارك لعنواني الإصدارين الجديدين؟ لماذا “شخصي”، مرة أخرى، في كتابك عن قراءة القرآن؟ ولماذا ضمير نحن في “عندما طلع البدر علينا”؟
العنوان ينسجم مع المضمون أولا. الجانب الشخصي في التأملات القرآنية واضح، وهو لا يخصّ تأملاتي فقط، بل كل التأملات القرآنية بشكل عام، وهذا واحد من الفروق بين التأملات وبين التفسير.
التأمل الشخصي فيه بطبيعة الحال نوع من الاسترسال وتتابع الأفكار. التأمل قد يكون في آية واحدة أو حتى كلمة واحدة من آية، بينما التفسير أكثر انضباطا وأكثر بعدًا عن القراءة الشخصية.
نفس الشيء مع “عندما طلع البدر علينا”، الكتاب يركّز على المرحلة المدنية، ويبدأ من وصول الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهو وصول ارتبط في أذهاننا بنشيد “طلع البدر علينا”، لذا فالضمير العائد إلى الجماعة لم يكن من وضعي، بل من وضع الصحابة عليهم رضوان الله.
لكنني آخذ مفردات هذا النشيد لاحقا إلى معاني أخرى، ستتوضح لمن يقرأ الكتاب.
الكتاب أساسا يحاول التركيز والبحث في سبب حبّنا (مع الضمير العائد للجماعة مجددا) للرسول عليه الصلاة والسلام، وليس حبي (الشخصي) له. لذا فكلمة “علينا” منسجمة تماما مع هذا المضمون.
هناك دائما “ثيمات” (Themes) وقضايا عامة في كتبك: الحضارة، الإيمان، المعاني الكامنة للعبادات، الاختلاف والتعايش، التطرف، الهجرة والاغتراب.. ماذا ستكون قضية “عندما طلع البدر علينا”، و”عاجل سرّي وشخصي”؟
سيرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام تحتوي على جوانب كثيرة ومتعددة ولا يمكن حصرها في موضوع واحد، ولكني أحاول النظر إليها بطريقة تربطها بالتحديات التي تواجهنا في حياتنا المعاصرة.
ولكن هناك أيضا محاولة فهم أسباب حبّنا له عليه الصلاة والسلام كما أسلفت. أما ” عاجل سري وشخصي” فهو تفاعلات معاصرة مع آيات قرآنية.
مريم “كريسماس في مكة”، و”قربان آل يونس”. العمران أيضا حظي بمساحة لافتة في أعمالك الحديثة، هل من قصة في الأمر؟ ماذا لدى كاتبنا مع المهندسين المعماريين الآن؟
ملاحظتك في محلها تماما وأشكرك على هذا السؤال. شخصية المعماري بشكل عام خصبة دراميا. ككاتب، هذه الشخصية تعطيني خامة ثرية للغاية أستطيع من خلالها التعبير عن الكثير مما أريد أن أقوله.
المعماريون (في العموم، ولا أعرف إن كان هذا ناتجا عن دراستهم، أو أنهم اتجهوا إلى هذه الدراسة لأنهم اتصفوا بهذه الصفات) لديهم حاسة فنيّة مرهفة، لديهم حس نقدي عال، لديهم شعور بهوية المكان وتاريخه، لديهم هوس بالتفاصيل، رغبة بترك أثر أو بصمة..
وكل هذا يُنتج شخصية قلقة تجمع بين الفن والعلم وتلبية توقّعات ومتطلبات الطبقة الوسطى التي غالبا ما ينتمون لها. كل هذا يمنحني شخصية ثرية من الناحية الأدبية، لا أستطيع مقاومة إغراء استخدامها.
هل سيكون هناك شيء جديد مع المعماريين؟ لا أعرف ولكن ليس حاليا بالتأكيد.
“الناشر لا يتدخّل في اختيار ما سيكون الكتاب القادم.. القراء يفعلون!”
ما الذي يحدّد في العادة ماذا يكون عليه كتاب العمري القادم بين الرواية أو النصوص الفكرية؟ هل هي خيارات لدى الكاتب أو الناشر، أم أن الفكرة هي التي تفرض شكل صدورها؟
الفكرة هي التي تحدّد كل شيء. لكن توقيت ذلك يرتبط أيضا بمزاجي النفسي. الرواية مرهقة ومستنزفة نفسيا، ولكنها ممتعة أيضا بطريقة تعوض هذا الإرهاق.
العمل الفكري أقل إرهاقا على الأقل أثناء الكتابة. قد أنجز عملا فكريا بينما هناك فكرة لرواية تختمر في وعيي أو حتى لا وعيي، ريثما أنجز الكتاب الفكري.
أضع شخصيات معيّنة في موقف معيّن، وأراقب كيف يتفاعلون معه، بينما أكتب عن شيء آخر تماما.
الناشر له حق الرفض، أو ربما التأجيل. لكنه لا يتدخل في عملية الكتابة. في الحقيقة القرّاء يتدخلون في اختيار ما سيكون الكتاب القادم أكثر بكثير مما يفعل الناشر.
بل إنهم أحيانا يطلبون أجزاء ثانية من الروايات يتزوّج فيها البطل من البطلة، أو روايات أكثر نكدًا. أما الناشر فلا يفعل ذلك على الإطلاق.
العمري، الكاتب والأب معًا، يقول إن نظرته إيجابية إلى “الجيل الجديد”. هل هي كذلك عندما يتعلق الأمر بالقراءة؟ كيف تجد الإقبال على كتبك بالتحديد من هذا الجيل بالتحديد؟
آراؤنا وتقييماتنا لا يجب أن تخضع للمقايضة. إن كانوا يقرأون لي فأقول إنهم جيّدون، أو لا يقرأون لي فأرثي الوعي والفهم في الجيل الجديد وأبكي على أيام زمان.
رأيي الإيجابي في هذا الجيل مبني على رؤيتي المجردة لهم سواء كأب أو ككاتب. ونعم، محبّو القراءة من الجيل الجديد يقرأون لي. لكن هذا لا علاقة له برأيي بالجيل.
هل ستكون إصداراتك الجديدة حاضرة في معرض الجزائر للكتاب في غضون شهر من الآن؟ وهل سيكون الكاتب حاضرا؟
إن شاء الله ستكون كتبي الجديدة حاضرة مع “عصير الكتب”. للأسف لن أحضر لوجود التزامات تمنعني من السفر، لكنني حاضر في الجزائر دوما ما دام القراء الكرام هناك يتفاعلون مع ما أكتب.
كلمة أخيرة لقرائك في الجزائر..
حسب تصوّري أكثر الشعوب العربية قراءة هي الشعب الجزائري. كل الحبّ وكل الودّ وكل الاحترام لهم جميعا.
