” كلام ليس في الرياضة .. !”
يخطئ من يعتقد أن شؤون كرة القدم تهم فئات ظاهرة من الشارع فقط، أو أن أفراحها وخيباتها المتعددة لا يهتز لها سوى الرياضيين أو الطبقات الكادحة من المجتمع، بل إن الكرة في الوقت الراهن باتت تشكل في عدة دول من العالم، وبينها الجزائر، هاجسا تتوحّد تحت ظله العديد من الطبقات والطوائف المختلفة .
-
هذا الكلام ليس اعتباطيا أو إنشائيا، بل إنه نتيجة دراسة قام بها معهد كاتو الأمريكي، وخص بها تحديدا مباراة الجزائر مع مصر كنموذج، فهل يدرك العرب هنا وهناك، أن أهازيجهم في الميدان وتنابزهم على الفضائيات ومعاركهم الإعلامية، تحولت إلى دراسة علمية عند الآخر، وأنّ هذا الآخر ليس أمريكيا وحسب، بل إنه إسرائيلي أيضا.. ومن لم يصدق، فليذهب إلى موقع مركز البحث موشي دايان التابع لجامعة تل أبيب على الأنترنت ليرى كيف تحولنا إلى فئران تجارب سوسيولوجية بسبب جلد منفوخ!
-
الدراسة الصادرة عن مركز كاتو الأمريكي، تقول إن كرة القدم تحولت إلى أفيون الشعوب أو دين كوني جديد، وباتت تشكل متنفسا اجتماعيا ونفسيا في المجتمعات التي تعاني من تفاوت طبقي حاد بين فئات القادرين وغير القادرين.. الذين يملكون والذين لا يملكون.. الأثرياء والمهمشين والمحرومين.. وعليه كانت هناك ضرورة في تحقيق إشباع وهمي بالنصر، وعلى هذا الأساس، يمكننا استيعاب كيف أن هذا الإشباع الزائد في توهم النصر يقابله إحساس قاتل بتبعات الهزيمة، على غرار أسلوب التعامل مع فريقنا الوطني، والذي يتم وفقا لمنطق: يا أبيض، يا أسود!
-
الدراسة تتهم النخب الإعلامية بخلق حالة استهلاكية ابتلعها الشعب مع قهوته الصباحية، وهو يمسي ويصبح على آلة إعلامية تنفخ في جروح العزة والنصر والشجاعة كصفات تتميز بها الذات، في حين يتم أبلسة الآخر وتجريمه ودفعه إلى هاوية الجحيم، وهنا نتساءل، لماذا يتم إغفال العامل السياسي المؤثر لدى الطرف المصري، والمتمثل في التوريث، وكيف أن نظام مبارك خطط لتنفيذ مؤامرته ضدّ الديمقراطية عبر مباراة في كرة القدم !
-
لا ننكر أن انجراف الشعب نحو الكرة، في الجزائر، وفي مصر، وعبر كل الدول التي تغيب فيها مشاريع التنمية الحقيقية، يكون مرتبطا بالحرمان والفشل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تعاني منه الشعوب، لكننا لا نريد لكأس إفريقيا، أو المونديال أن يتحول أحدهما أو كلاهما إلى شماعة لتعليق جميع الخيبات الوطنية الأخرى !
-
الكرة اخترقت الحقل العاطفي الاجتماعي للشعوب بشكل مباشر، ذلك صحيح، لكن هل يعلم المصريون الذي عادوا مرة أخرى، وحتى قبل مواجهة الجزائر مع كوت ديفوار، لبثّ سموم الفتنة مجددا، أن كاتبا إسرائيليا يدعى ميرا تزوريف، كتب تقريرا بعنوان “هدف للدولة المصرية وبطاقة صفراء للقومية العربية” يقول فيه إن مباريات كرة القدم الثلاث بين مصر والجزائر في إطار التأهل لكأس العالم سوف تذكر على أنها وضعت المسمار الأخير في نعش القومية العربية! هل يعلمون أنّ هذا التوصيف لم يستمر طويلا وإنما أدلى تزوريف بدلوه في القضية وبشكل موضوعي، للأسف، معتبرا أن رد الفعل الجزائري كان أكثر اعتدالا من الموقف المصري قبل المباريات الثلاث ضاربا أمثلة ببعض التصريحات الجزائرية التي تدعو لعدم الفرقة في مقابل مواقف إعلامية مصرية معادية متجاهلا محاولات عدة جهات إعلامية مصرية للتهدئة قبل المباراة الأولى، فهل سيعتبر المصريون أم أنهم سيواصلون في إضحاك العالم والإسرائيليين علينا .. ! ؟