-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا راحة من الطّاعات!

سلطان بركاني
  • 52
  • 0
لا راحة من الطّاعات!

من أهمّ الدّروس التي يحملها رمضان لأمّة الإسلام كلّ عام، أنّ السعادة كلَّ السّعادة في أن يدوم العبد لله على ما يحبّ الله ويرضى، وأن يكون همّه الأوّل أن يرضى عنه خالقه ومولاه.. والعبد الذي يرجو جنّة الدّنيا والآخرة لا يطلب الرّاحة من طاعة الله. لأنّ طاعة الله هي راحة القلب والرّوح: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)).

هذه هي الحقيقة التي كتبها الله ومضت بها سنّته في خلقه، ولكنّ النّفس الأمّارة بالسّوء كثيرا ما توسوس لصاحبها بأن يطلب السّعادة في الغفلة عن الله والتقصير في حقّه، وتسوّل له أن يطلب الرّاحة في الرّاحة من طاعة الله! وهذا مطلب محال، شأن طالبه كمن يرجو أن يجني من الشّوك العنب.

كثير من عباد الله ما أن يحلّ رمضان حتّى يفتحوا صفحة جديدة في حياتهم؛ يصلّون في المساجد، ويقرؤون القرآن، ويتركون المحرّمات التي كانوا يقترفونها قبل رمضان.. لكن ما أن يخرجوا من صلاة العيد بعد رحيل رمضان حتى يطووا الصفحة الجديدة التي فتحوها، ويعودوا إلى ما كانوا عليه قبل شهر الصيام. بل إنّ من عباد الله من لا يطول صبره حتى يرحل شهر التوبة والرحمات؛ فما أن تنقضي العشر الأوّل منه حتّى يبدأ في الانسحاب خطوة خطوة، فلا تكاد تحُلّ العشر الأواخر حتى يتوب من توبته، ويرجع القهقرى إلى الغفلة والتفريط وإضاعة الأوقات في التفاهات!

فلماذا يا ترى نستسلم لأنفسنا بكلّ هذه السّهولة؟ ولماذا نتعامل مع طاعة الله كأنّها حِمل ثقيل نتحيّن أقرب فرصة لنتخلّص منه؟ ما الذي في هذه الدّنيا الفانية يستحقّ أن نترك لأجله الصلاة في المساجد ونهجر بيوتا هي أحبّ البقاع إلى الله؟ ما الذي فعلته لنا المساجد حتى نهجرها بعد رمضان فتحنّ إلى جباهنا وربّما تشكونا إلى خالقها أنّنا هجرناها بعد عمران؟ هل تستحقّ المقاهي والأسواق التي هي من شرّ البقاع أن نعمرها في وقت يرتفع فيه نداء الحقّ في السّماء: “حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح”؟ ما الذي فعلته لنا المصاحف حتى نعيدها إلى الرفوف في أول يوم بعد رمضان؟ لماذا تتكرّر هذه الظّاهرة كلّ عام؟ لماذا يصرّ بعضنا على تكرار ذات السّلوك كلّ مرّة؟ أما نخشى أن يختم الله على قلوبنا ويكتبنا في زمرة من اتخذوا دينهم لهوا ولعبا؟

ربُّنا غفور رحيم، لكنّه كذلك عليّ عزيز. وديننا دين يسر، ولكنّه لا يقبل الرّوغان.. إنّنا متى ما عدنا إلى الغفلة والتفريط وإضاعة الصلوات، فلن نضرّ إلا أنفسنا ولن نجني إلا عليها؛ فربّنا عزيز لا تنفعه توبتنا وطاعاتنا، ولا تضرّه غفلتنا ومعاصينا. وقد كتب –سبحانه- أن يعامل عباده بحسب تقلّبهم؛ ففي بعض الآثار الإلهية، عن الرب -تبارك وتعالى- أنه قال: “وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره، ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره، فينتقل عنه إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحبّ”.

ليكنْ همّنا في هذه الأيام –بعد رمضان- أن يتقبّل الله منّا، ولْتلهج ألسنتنا لربّنا بأن يكون رمضان شاهدا لنا. وليكن همّنا أن نثبت على الطّاعات والقربات، على الصّلوات والتلاوات والصّدقات، حتّى يعود رمضان فيجدنا كما تركنا.. الصّالحون من عباد الله كانوا يعيشون رمضان بقلوبهم 12 شهرا: 6 أشهر -بينها رمضان- يدعون الله فيها أن يتقبّل منهم رمضان الذي صاموه وقاموه، و6 أشهر أخرى يدعون فيها الله أن يبلّغهم رمضان القادم. وهذا الدّعاء الذي كان يستغرق أشهرهم كلّها كان له أثر عظيم في اجتهادهم وثباتهم على طاعة الله.. كان الواحد منهم يقول: من أراد أن يظفر بليلة القدر فليجتهد في رمضان كلّه، ومن أراد أن يسعد ويهنأ برمضان، فليستعدّ له عاما كاملا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!