ليالي الخناجر المسمومة
ما قبل احتضان الجزائر للقمة العربية المقبلة، على الجامعة أن تجمع أعضاءها تحت راية واحدة.. لا رايات حمراء وسوداء وبيضاء كما أيام الجاهلية. العالم العربي برمته بحاجة إلى إصلاح وليس إلى ترميم، قال ذلك أكثر من مسؤول عربي وجزائري.
الواقع، أن العرب ممثلون في “جامعتهم” المفرّقة بين جمع الجموع، قد تأسست لتجمع شتات العرب غير المجتمعين على إجماع، كان ذلك بوحي بريطاني أجنبي بالأساس لحاجة في نفس يعقوب.
بنفس الذهنية والإستراتيجية الغربية للقضاء على “الإمبراطورية الإسلامية” العثمانية، التي كانت تقضي بتجميع العرب لمناهضة العجم ممثلين في الخلافة العثمانية التي كان الغرب يعمل على الانقضاض على إرثها، خاصة بعد حروب البلقان.
بدأ هذا المخطط التقسيمي في شكل توحيد، في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط في بداية القرن التاسع العشر، بتوريث فلسطين لليهود وتقليم أظافر الرجل المريض قبل توزيع إرثه بين القبائل الأوربية. الآن وقد أنجزت المهمة وقُضي على الخلافة الإسلامية العثمانية وعاد العرب كما كانوا قبائل في شكل دول، متصارعة على زعامات مزعومة، تحت مظلة الغرب الأمريكي الأوروبي، وعودة الأمور إلى مجاريها التاريخية البعيدة، تبدو تركيا اليوم أكثر ما تكون توَّاقة لاسترجاع تاريخها العربي الإسلامي السني، بل وتاريخها الأوروبي. إيران على نفس الوتيرة تسير، نحو إمبراطورية فارسية شيعية تنافس الجيران العرب في ممرات الماء وشرايين الاقتصاد التجاري البحري النفطي، تماما كما كان الصراع قبل الإسلام بين فارس والعرب على الممرات التجارية البحرية: البحر الأحمر والخليج الفارسي، الذي عرَّبه العرب بالاسم دون أن يتمكنوا من تعريبه سيادة وملاحة واقتصادا. الدليل، أن إيران هددت أكثر ما مرة بغلق مضيق هرمز إذا ما مُنعت من تصدير نفطها عبره، على اعتبار أن إيران لا تزال تعتبر في وجدانها الإيديولوجي والعقائدي أن الخليج هو خليجٌ فارسي وليس خليجا عربيا، فالعرب لم يكن لهم لا نفوذٌ ولا دولة بالمنطقة فيما خلا اليمن في الجنوب الغربي من الخليج.
العرب اليوم إذن في مفترق الطرق نحو الوثبة إلى الأمام عن طريق تحالفات وإصلاحات جذرية في العلاقات العربية عربية، والعربية الإسلامية، وهو ما يبدو صعبا اليوم في ظل التشظي العربي على أسس ولاءات للغرب أكثر من الولاءات للعروبة، وانقسام المسلمين العرب وغير العرب على أسس طائفية ومذهبية.
الغرب الاستعماري القديم والحديث يلعب دور المفرِّق بين “المرء وزوجه”، لنفس في حاجته في القرن 19، غير أن هذه المرة، ليس بضرب الإسلام بالعروبة، كما كان الحال مع البعثية، ولا بضرب الأعاجم بالعرب كما كان الحال مع بريطانيا، خاصة في شبه الجزيرة العربية، أو حتى ضرب الأمازيغ بالعرب في الشمال الإفريقي، ولا حتى بضرب التخلُّف الطرقي بالإصلاح الوهَّابي، بل باستعمال كل هذه الشِّراك والحبال كلها بنفس الصيغة والعقيدة، يعمل اليوم الغرب الأوروبي الأمريكي على صهْيَنة المنطقة وتفريق شمل العرب ونسف جامعتهم وأنديتهم من أساسها. لهذا، فإنَّ إصلاح منظومة الجامعة العربية، يتطلب إصلاحا داخليا في كل دولة على حدة ومعرفة مآلات دولها ومصيرهم المشترك، خاصة وأنهم يرون ما حدث مع أمريكا والغرب في أفغانستان، من تخلي قوى الهيمنة عن هذه المحميات وعن “أصدقائها وحلفائها” في آخر لحظة.
هذا الإصلاح لن يكون بالأمر الهيِّن في ظل الوضع الراهن، لهذا علينا جميعا كدول، أن نعي مصالحنا الحقيقية ونعرف عدونا المشترَك ونعيد بناء اللحمة التي فكَّكها الاستعمار الغربي بعد ما سمَّم جسدنا المشترَك بخنجر الصهيونية المسموم.