“ما أجده تحت جسور قسنطينة يفوق الخيال… وما خفي من مغارات أعظم”
في قسنطينة، وفي جسورها الساحرة، إذا أردت مشاهدة الطيور والغربان، تحلق، فلا ترفع رأسك عاليا، وإنما طأطئه إلى الأسفل.
وفي قسنطينة إذا أردت أن تقرأ التاريخ، فلا تفتح كتابا، ولا تدخل متحفا، بل انزل أسفل سهولها وحاك صخورها، فستجيبك الأنفاق والمغارات، عن تاريخ ممتد إلى ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام، قبل الحضارات والجسور المعلقة.
كهوف ومغارات ودهاليز، تثير الحيرة والرهبة والرغبة أيضا لاكتشافها… ولعل الشاب سمير سوالمية القاطن بقسنطينة، ظاهرة في إصراره على فتح كل أبواب المدينة، وكشف كل أسرارها… استوقفته الشروق اليومي وأبعدته قليلا عن الأنفاق فروى حكايته مع عجائب المدينة.
من الأساطير والخيال… إلى الحقيقة
منذ أن كان طفلا يعيش في حي رومانيا المحاذي لجسور قسنطينة المعروفة، بين سيدي راشد وجسر الملاح، كان سمير يعيش هوس معرفة ما بداخل أنفاق المدينة العجيبة، بعضها يقولون أن الداخل إليها لن يعود، وأخرى يتحدثون عن استعمارها من العالم الآخر، لكن لشغف سمير بداية من دون نهاية.
كان يهرب من البيت، بعيدا عن ألعاب أترابه فيقف من أعلى جسر سيدي راشد أو سيدي مسيد أو المصعد أو جسر الشيطان وقرب المغارات المظلمة لعدة ساعات يتساءل عن السر الموجود، داخل تلك التجاويف، خاصة أن بعضها يوحي أنها منقوشة من عهد الرومان وبعضها يحكي أسرار البايات وأساليب الاستعمار، وعظمة الكفاح الجزائري. يحمل سمير وهو طفل صغير أو مراهق في سن السادسة عشرة، شمعة في يده اليمنى، حتى تطفئها النسمات أو القطرات ويدخل في قلب المغارات بحثا عن المجهول، وعندما توفيت والدته ارتفعت رغبة العزلة لديه، ولكن في عالم الاستكشاف المعجون بالمغامرة.
سألناه عن مخاطر دخول بعض المغارات المحفورة في صخور ترتفع لما يزيد عن المئة متر، فرد بسرعة: “لا يوجد استكشاف من دون مخاطرة ومغامرة، لكن مع مرور السنوات، صارت الخبرة والتعامل مع الصخور والتربة الخاصة للمرتفعات والمغارات تمنحني الأمان والطمأنينة”.
لا يمتلك سمير في كل مغامرة له غير هاتفه النقال يمنحه الضوء ويلتقط صورا لخطواته وما تحتويه هذه المغارات.
بإمكانه أن يجيب عن أي سؤال لكن لماذا هوى واحترف استكشاف ما يوجد تحت مدينة الصخر العتيق، فذاك ما لم يجد له جوابا. في جسمه خارطة من عمليات جراحية أجريت له في صغره منذ أن استأصل الأطباء طحاله، هو مريض مزمن يتلقى كل سنتين حقنة خاصة لتعويضه ما افتقده من مناعة، ومهموم مزمن بأسرار المدينة.
أب أتعبه التوسّل ومخاطر بالجملة والتفصيل
في بداية رحلة المغامرة التي عمرها الآن أكثر من عقدين، كان والد سمير يُحضر كبار العائلة، ليساعدوه على إيقاف شغف ابنه بدخول هذه المغارات العجيبة والخطيرة أيضا، وكان سمير في كل مرة يطمئن والده، ثم يعود إلى شغفه الوحيد، شقيقاته وأشقاءه لا يكادون يتوقفون عن دعم توسل والده، ولكن سمير يصرّ على المغامرة. الحياة بالنسبة إليه هناك تحت سفوح جسور سيرتا ومعلقة في صخورها العجيبة.
ومع مرور السنوات، رفع والده راية الاستسلام البيضاء، وتركه وشأنه، بل أصبح أحد متابعي فيديوهات سمير الخطيرة والعجيبة التي تجاوزت المشاهدة لبعضها حاجز المليونين ونصف مليون.
هل تذوّق سمير خوف الهلاك في بعض مغامراته ؟ يرد سمير بتلقائية: “عندما تؤمن بأنك في رحلة استكشاف تضع الخوف من الهلاك جانبا، فقد نزلتُ قرابة المئة متر في صخور معلقة نحو حمامات رومانية ومسبح سيزار، هناك تأكدت من أن هذه المعالم العتيقة لم تطأها قدم إنسان منذ قرن على أقل تقدير أو منذ ما قبل إنجاز جسور قسنطينة.
يتحدث سمير عن بعض مغامراته: “مرة كنت متوجها إلى عرس وأنا في قمة أناقتي، كنت مُصرّا على حضور عرس أحد أقاربي، وبعد أن تجهزت وارتديت أحسن ما أمتلك من لباس، رميت بناظري أسفل جسر سيدي راشد الحجري، فوجدت شبه مغارة تتراءى في قلب الصخور خلف بعض الأشجار، نسيت للتوّ العرس وقريبي العريس، وجرّني الفضول والشغف إلى الأسفل، كانت موسيقى العرس هناك في بيت أقاربي، وشغف المغامرة هنا في قلبي، وبعد ساعة زمن من التسلّق والتشبث بالصخور وأغصان الأشجار وجدتني أمام مغارة عجيبة مظلمة، أنستني العرس نهائيا، فدخلت خطوة وأخرى كانت المياه تتدفق من كل مكان، وكلما أضع قدما تغرق إلى الأعماق، وما بين السباحة والمشي وجدتني في قلب المجاري أحارب جرذان بحجم القطط، إلى أن تحول منظري الذي كان قبل دخولي أناقة ونظافة، إلى وسخ مبلول بالمجاري والقاذورات، وبقيت اقتحم المغارة إلى أن وجدت مياها عذبة متدفقة فغسلت جسدي وأكملت مسيرتي حتى خرجت من جسر سيدي راشد إلى جسر الشلالات”. طبعا اعتذر سمير لأهل العرس وقبلوا عذره فهم يعلمون أنه مهموم بالمغامرة.
ينبه سمير لموضوع لم يلتفت إليه إلا بعد أن أنهى مغارته في مغارة المجاري والجرذان: “لو قدر الله وجرفتني السيول أو توفيت في المغارة، لما اكتشف أمري أحد، فلا أحد أخبرته بأنني توجهت إلى ذاك المكان، ولا أحد رآني، كنت طوال ساعتين من الزمن وحدي أقاوم الأرضية الزلجة والسيول والجرذان العملاقة التي لم أرى في حياتي حجم جرذان مثلها”.
ألغاز وعلامات استفهام في قلب المغارات
عدّ سمير ما لا يقل عن ثماني مغارات عجيبة، دخلها تحت صخور قسنطينة، منقوشة بشكل جميل بعضها تعود إلى زمن قديم جدا ولكن يد الإنسان فيها، وأخرى واضح بانها تعود إلى زمن الاستعمار الفرنسي.
اتصل بسمير مرة أحد ملاك بيت في شارع “رود فرانس”، كان بصدد بيع مسكنه، وطلب منه إن أمكنه ذلك فتح باب حديدي لم يتجرأ صاحب البيت على فتحه، ظنا منه أنه يؤدي إلى طلاسم وعجائب، قبل سمير بالمهمة وحضر، وزعزع الباب الحديدي اللغز الموجود أسفل البيت العتيق، وما إن أزاله عن مكانه، حتى اكتشف سلما يؤدي إلى الأسفل المفاجأة أنه وجد طابقين أسفل الدار، والمفاجأة الأكبر أن المكان كان مدهشا من حيث جماله والنقوش العصرية الجميلة الموجودة فيه، طاولات وكراس أنيقة جدا، وزجاجات من الخمور العتيقة الموضوعة في زجاجات أنيقة، فهم سمير أن ما كان تحت الأرض هو مخابئ للفرنسيين بنوها بعد أن اشتد لهيب الثورة الجزائرية، يقول سمير: “طوال حوالي ربع قرن من المغامرة تحت سفوح جسور قسنطينة وتحت مساكنها العتيقة وجدت مدينة بأكملها أكثر دهشة من المدينة التي نعيش فيها فوق الصخر العتيق. الأمر يحتاج إلى خرائط، إلى خبراء، فكل درب سفلي له نهاية ونهاية دائما عجيبة. وتحت جسر سيدي راشد توجد مدينة رومانية قائمة بذاته وجب معاودة استكشافها.
تزاحمت الأنفاق في مخيلة سمير وهو يروي عن نفق تحت منطقة رحبة الجمال، نفق من يدخله يجده يتفرع إلى عدة أنفاق، تشعر فيه أن هناك فعلا من كانوا يعيشون في الأنفاق، فغالبية الأنفاق الموجودة تحت المدينة القديمة باردة جدا إلى درجة أن الأشياء تتجمد فيها حتى في عز شهر أوت، وتبقى مغارة شارع عواطي مصطفى أو كما تسمى بطريق سطيف الأغرب والأعجب من حيث كيفية بناءها ودهاليزها الغريبة والعجيبة والكثيرة والتي أخذت منه ثلاث ساعات كادت أن تؤدي به إلى التيهان في قلبها.
سمير صار مطلوبا في العديد من الولايات خاصة تك العريقة التي تزدحم بالأنفاق مثل الجزائر العاصمة وتلمسان، ومؤخرا فك لغز “غار ظلام” في منطقة بوحاتم بولاية ميلةـ الذي ظل يُخشى اقتحمه من أهل المنطقة خوفا من المجهول.
السلطات اتصلت به ومطالبه بسيطة جدا
لم يتردد والي ولاية قسنطينة عبد الخالق صيودة وهو يتابع مغامرات سمير على مختلف وسائط التواصل الاجتماعي في طلب مقابلته، في محاولة لوضع خارطة سياحية وتاريخية لهذه المدينة النائمة تحت الأرض. مطالب سمير كانت بسيطة وهي حماية الأماكن ليس من الناس، وإنما من أطنان القاذورات التي ترمى يوميا من أعالي الجسور، كما طلب وبإلحاح بعث مصعد سيدي مسيد الصخري العجيب، لأنه سيمنح المدينة دفعا كبيرا، ويبقى درب السياح مطلبه الأول، والذي سيمكن السيّاح من مشاهدة كل جسور المدينة عبر مسار صخري معلق في الهواء على مدى ثلاث كيلومترات، والي الولاية والمسؤول الأول على الحماية المدنية بولاية قسنطينة أعربوا لسمير عن استعدادهم لمساعدته، وشكروه طبعا لما قدمه للسياحة والتعريف بأعجوبة العالم الثامنة قسنطينة.لم يكن سمير هو مكتشف المدينة النائمة تحت مدينة قسنطينة، ولكنه استغل وسائل التكنولوجية الجديدة من تصوير وعبر الهواتف النقالة لأجل نقلها إلى المشاهد.
في منتصف ستينات القرن الماضي، زار قسنطينة الصحافي اللبناني الشهير سليم زبال، وهو أحد مؤسسي مجلة العربي الكويتية، وأتحف قراء المجلة الشهيرة في العالم العربي، بتحقيق مصوّر عن عجائب أنفاق قسنطينة، ونال العدد شهرة كبيرة، ويعتبر الصحافي سليم زبال أهم صحافيي التحقيقات المثيرة في العالم العربي، وقد توفي في كندا في سنة 2012 بعد أن زار ما لا يقل عن ثمانين دولة، نقل منها ما يثير الدهشة ومنها أنفاق قسنطينة الغريبة، التي تؤكد عراقة المدينة وما عاشته من حضارات وحروب أيضا، جعلت الرومان والوندال والعثمانيين والأوروبيين يبنون أنفاقا هي في حد ذاتها راوية للتاريخ.
والي قسنطينة الحالي وعد ببعث مصعد سيدي مسيد ودرب السياح والمشروعين هما في مرحلة الدراسة. سألنا سمير عن أمانيه فقال: “لم تسنح لي الفرصة لزيارة بلاد العالم، لكنني متيقن من أن ما تكتنزه قسنطينة قادر على جعل المدينة والجزائر وجهة سياحية عالمية، إن لم تكن الأولى، فهي من الأوائل في العالم”.
مشكلة سمير أنه أحيانا في آخر فيديو يقدمه للمتابعين، يعِدهم بمغامرة في مغارات أخرى، وإصراره على الإتيان بوعده يضعه أمام تحد جديد، وأحيانا مليء بالمخاطرة، كما حدث مع حمامات الرومان، ومسبح سيزار، حيث وجد نفسه يطير في الصخور السفلى لجسر الملاح، فاكتشف ما لم يخطر على باله وبال من يعرفون بعضا من أسرار قسنطينة.
سياح من أمريكا وروسيا وكندا جاؤوا لأجل المغارات
في أسفل سفوح الجسور وفي قلب الصخور توجد مغارات كبيرة جدا، بعضها سميت بمغارات الدببة والأسود، ويقال بأنها كانت تأوي الدب الأطلسي والأسد الأطلسي، ويوجد في العالم خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية عشاق الأنفاق والدهاليز والمغارات، يتصلون بسمير يوميا، ومنهم من لا يتوقف عن السؤال، فيتنقل مباشرة إلى قسنطينة، وخلال الصيف الفائت، وجد سمير نفسه دليلا سياحيا تحت الأرض للمئات من السياح الأجانب، وقد عدّ لنا ما لا يقل عن 13 جنسية لسياح أجانب جلبتهم الصورة المدهشة والفيديو الناطق، فقرروا أن يعيشوا المغامرة ليس من فوق الجسور وإنما تحتها، فجاؤوا من أمريكا وروسيا والنرويج وسويسرا واليمن والأردن وغيرها من بلاد العالم، غالبيتهم حضروا بعائلاتهم من زوجات وأبناء وكاميرات متطورة جدا، ناهيك عن عشاق الجزائر من جاليتنا في بلجيكا وقطر وبلاد العم سام.
يتوقف كثيرا سمير وهو يتحدث عن دهشة كل السياح لما يشعرون به في قسنطينة: “إنهم ينسون الدنيا، يعيشون اللحظة، تدهشهم المدينة بحركيتها وضجيجها ونحن فوق الجسور نتفرج على روعة خلق الله ونصوّر، وبمجرد أن ننزل إلى مكان الأنفاق يتغير الجو من الحار إلى البارد جدا أو المنعش. ويخيم الصمت الرهيب فيصبح التركيز عل ما تقدمه المدينة من دهشة وحيرة.
سائح ألماني ذرف الدموع عندما غادرنا أحد الانفاق، معتبرا رحلته إلى قسنطينة إنجازا شخصيا ثمينا في حياته، بينما دخلت سائحة سويسرية في ما يشبه الهذيان بمجرد أن رفعت رأسه بعد خروجها من ممر مصعد سيدي مسيد، وهي ترى الجسر الذي سارت عليه، هناك بعيد عنها، بمئات الأمتار.
“لا أستطيع تلبية طلبات المرافقة لكثرتها”، هكذا يقول سمير ويعود إلى همّه الأول: “لو يهتم المسؤولون بنظافة هذه الأمكنة وينجزون شلالات اصطناعية في كل الجسور، ودرب السياح ومصعد سيدي مسيد، فستكون قسنطينة قريبا جدا مدينة عالمية للسياحة بامتياز”.