ما قبل البكالوريا
أصعب ما يمكن أن يُصلَح بالسرعة المبتغاة، هو التعليم والتربية، إذ يمكننا أن نبني ونشيّد بالسرعة التي نريدها، ولكن لن نتمكن من بناء الإنسان في الوقت الذي نريده. هي مسألة تكوين ثقافي ونفسي تتطلب جيلا وأحيانا أجيالا.
بكالوريا هذه السنة، بعد القوانين الردعية للغش، ورغم ما شابها من حالات، لكنها لم تصل إلى التسيُّب الذي كان مستشريا قبل 3 سنوات. غير أن البكالويا والحفاظ على مستوى الشهادة، لا ينبغي حصره في منع الغش وضبطه، بل في التحكم في رفع مستوى التحصيل العلمي، فالغش أساسه الفشل في التحصيل، والفشل مرده إلى المنظومة التعليمية ككل، من الابتدائي مرورا بالمتوسط فالثانوي وانتهاء بطبيعة الحال بالجامعي كتحصيل حاصل. تطوير وإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية، هو رهان أجيال قد بدأ، لكن الإصلاح لن ينتهي ولم ينتهِ وسيمتد وسيتغير ويتأقلم ويتحيّن مع كل حين وجديد. هذا الأمر يتطلب تكوينا متواصلا للمكوّنين أنفسهم، ورد الاعتبار إلى “مدارس التعليم، ومدارس التكوين المهني” وتحديث البرامج خاصة في الطور الابتدائي التي على الوزراة عبر لجنة مراجعة البرامج أن تسارع إلى ردم الفضائع التي تركها “السلف” في الوزارات السالفة: الأمر لا يعدو فقط أن يكون متمثلا في ضرورة تخفيف حمل الحقيبة، بل تخفيف ضغط البرامج، فليس معقولا أن يتعلم التلميذ في السنة الثانية ابتدائي أشياء لم نتعلمها إلا في المتوسط.. وليس معقولا أن يتحول الأولياء إلى تلامذة كبار لدى المعلم أو المعلمة.. يتعلمون عن بُعد من أجل تعليم أبنائهم عن قرب.. ليس معقولا أن يصبح التلميذ يتعلم في البيت ويراجع في المدرسة. هذه الأمور لم تعد من وجهة نظر بيداغوجية مقبولة في كثير من الدول: التلميذ ينبغي أن لا يقوم بشيء في البيت، كل شيء يُنجز في المدرسة، أما عندنا فكل شيء ينجز في البيت ولا شيء تقريبا في المدرسة: السبب في هذا طبعا ليس المعلم المربي، وإن كان يتحمل جزءا من هذه المسؤولية، بل في من وضع هذا البرنامج الذي لا يقوى طفلٌ في السابعة والثامنة على فهمه ناهيك عن حفظه أو حمله.
نظام التعليم عندنا يتطلب إصلاحات شاملا مرافقة له: التكوين المهني يبدأ باستقبال وتوجيه التلامذة من نهاية الابتدائي بتكوين ما يسمى “العامل المُؤهل”، وهذا في مجالات متعددة من بناء وكهرباء ونجارة وحدادة وتقنيات حديثة بسيطة بحيث تخرِّج هذه المدارس عمالا مؤهلين يمكن ضخهم في النسيج الاقتصادي والتنموي للبلاد. بعد نهاية الطور المتوسط، ليس على كل التلاميذ بالضرورة أن ينجحوا وأن يمرُّوا عنوة إلى الثانوي، فقطار التعليم عند الاقلاع، لا يستقبل ركابا جددا، بل على العكس، ينزل في كل محطة جزء، يوجَّه هذا الجزء إلى التكوين المهني. ما بعد المتوسط، سوف نجد مدارس تكوِّن “تقنيين” متخصصين في نفس المهن المطلوبة في سوق العمل وهذا دور المدارس ومعاهد التكوين المهني والتمهين. أما ما بعد البكالوريا، فليس بالضرروة أيضا أن يمر الكل إلى الجامعة، وهذا سبب الكارثة في الجامعة اليوم: أن تقبل أقسامٌ ومعاهد طلبة بـ10 من عشرين أو حتى بالإنقاذ. عددٌ كبير من التلاميذ الذين لا يحصلون على البكالوريا يجب توجيهُهم إلى المعاهد العليا لتكوينهم في سلك التقنيين السامين في المجالات المطلوبة في سوق العمل. هذا ما يحصل في دول الغرب القريبة والبعيدة عنا. للأسف، نحن نرى قطار التعليم والتربية، ينطلق بألف راكب في السنة الأولى، فيصل إلى السنة النهائية في الثانوي بنفس عدد الراكبين إلا قليلا منهم. وهؤلاء الألف سنجد أكثر من نصفهم يدخلون الجامعات زرافات ووحدانا.. فقط لأن الغش كان متوفرا، أو لأن الوزارة فرضت -بضغط من الأولياء أو من سياسيين- أن تكون هناك “عتبة” دروس يكون من ضمنها سؤال الباك إلخ، فنحصل في النهاية على طلبة فاشلين من المنبع.
الجامعة، يجب أن تكون للنخبة.. وليس للجميع. وهذه معضلة التعليم والتكوين عندنا.. إننا لا نكوِّن للعمل ولا للسوق، ولكن نكوِّن للشارع.. هذه الذهنية التي تتخلص في التخلُّص الآمن للشباب وتمريرهم عبر أنبوب آمن إلى غاية سنّ الـ18، إذ يكون عاقلا ويطبَّق عليه القانون.. كإنسان راشد.
البكالوريا، هو امتحانٌ لتوجيه النخب من الطلبة نحو الجامعة والمدارس العليا، للتكوين العالي نظريا وميدانيا وليس فقط نظريا كما يحدث، وهذا مطلبٌ آخر في التعليم العالي عندنا الذي لا يقلُّ ثرثرة عن التعليم والتكوين في الأطوار الأولى، إن لم يكن أدهى وأمرّ.