-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“ماء” أحلى الرجوع إليه..

عمار يزلي
  • 1482
  • 0
“ماء” أحلى الرجوع إليه..

كل الأدلة والأصوات والتحذيرات قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت تصب في بركة الجفاف العالمي واحتمال نشوب حروب وأزمات غذائية وإنسانية بسبب الجفاف وشح المياه. كان هذا الاستشراف نذيرا بديلا عن حروب الطاقة المستعرة حاليا، والتي لا يمكن فصلها عن حروب الطاقة المائية في المستقبل القريب.

كان يُتوقع أن يحدث هذا في بلدان الشرق الأوسط بشكل خاص بسبب قلة الأمطار الموسمية والاحتباس الحراري ونضوب المياه الجوفية والبحيرات وقلة منسوب الأنهار القليلة إن وجدت، غير أن ما يحدث اليوم في العالم وفي الدول الأوروبية من بداية العد التنازلي لرفاهية المياه، قد يعمم هذا التخوف ليصل إلى حد بداية احتساب الوقت بدل الضائع الذي أهدِر في الإسراف في استعمال المياه على كل المستويات.

عندنا، ليس الأمر ببعيد عما يحدث حولنا شمالا وجنوبا وشرقا وغربا: شساعة الأراضي وتزايد عدد السكان، ومتطلباتهم الاستهلاكية من الماء، ولكن أيضا متطلبات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، كلها تتطلب وفرة للمياه. لكن، في غياب الأمطار الموسمية المنتظمة التي كانت الوسيلة الوحيدة إلى وقت قريب في ملء ما وُجد من سدود وما حُفر من آبار ارتوازية وما شيِّد من أحواض تجميع مياه الأمطار، دفعتنا ندرة الأمطار إلى سياسة تحلية مياه البحر التي كانت إلى وقت ليس ببعيد أمرا مستعصيا علينا تكنولوجيًّا وتكلفةً أيضا، غير أنه في غياب حلول بديلة لتزويد الساكنة والمدن والقرى المترامية الأطراف عبر 2.4 مليون كلم مربع، كان علينا أن نسترشد بهذا الحل على طول 1200 كلم من الساحل الشمالي. بدأت التجربة محتشمة قبل سنوات، تخللها فسادٌ في إنجاز المشاريع وتكلفة باهظة كادت أن تهدر الإرادة الوطنية في حلّ أزمة المياه، غير أن توفر الإرادة من جديد بعد التحوُّل الذي حدث سنة 2019، لاسيما نهاية ديسمبر 2019، أعاد الأمل في إحياء مشاريع تحلية المياه عبر الشريط الساحلي كله، وهذا ما نص عليه اجتماع مجلس الوزراء الأخير.

مستقبل تزويد المدن الجزائرية ذات الكثافة السكانية الكبيرة، على اعتبار أن أكثر ثلاثة أرباع سكان المدن الساحلية والداخلية يقطنون الشريط الشمالي، مستقبل هذا التموين بماء الشرب مرتبط حتميا بهذه التقنية التي صارت اليوم في كثير من الدول التي تعاني نقصا في المياه بدءًا من دول الخليج وانتهاءً بدول الجنوب الأوروبي ومنها إسبانيا، السبيل الأوحد.

غير أنّ ندرة الأمطار التي تموّن باطن الأرض والمياه الجوفية، من شأنه أن يجفف الجيوب المائية أيضا وليس فقط مياه السطح والسدود، وهو ما يعني أن المياه الجوفية هي الأخرى مهددة بالنضوب بسبب كثرة الاستعمال، لاسيما إذا أهدِرت بغير عقلانية في الزراعة الصحراوية التي نعوِّل عليها وعلى مياهها وتقنياتها الحديثة المقتصِدة للمياه. لهذا، وجب دقُّ جرس الإنذار بضرورة مراقبة استعمال المياه الجوفية واستخراجها ومراقبة التجاوزات وردعها حفاظا على مخزوننا الاستراتيجي من المياه الجوفية وليس فقط النفط والغاز، فليس ذلك بأرخص من تلك.

المعضلة الثالثة، والتي تناولها مجلس الوزراء مؤخرا هي ضرورة مباشرة وتسريع إعادة تطهير وتدوير المياه المستعمَلة في المدن وفي التجمُّعات السكانية الكبرى واستعمال هذه المياه بعد تطهيرها وتجميعها، في الري والسقي بدلا من المياه الجوفية، وهذا لتوفير المياه الجوفية من جهة وعدم هدر المياه المستعمَلة، خاصة وأننا بدون أدنى شكل نسرف في استعمال المياه بسبب أسعارها المتدنية المحتسبة على الرغم من تكلفتها. كما يتطلب ذلك حزما أكبر في احترام طرق فصل شبكات صرف المياه المستعملة وشبكة تصريف مياه الأمطار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!