ما الخطير والأخطر منه؟
لو عدنا إلى ما قبل عام تسعين وتحدث بعضنا عن إمكانية حدوث صراع عنيف يذبح في خضمه جزائريون عشرات الجزائريين الآخرين، لرفضنا مجرد تصديق مثل هذا الإحتمال… أما أن يقول أي كان بأنه سيأتي يوم تصبح فيه التفجيرات الإنتحارية التي تحصد أرواح عشرات الجزائريين واقعا محتمل الحدوث بين كل يوم وآخر، لاتهمنا من يطرح مثل هذا التصور بالجنون، لكن ها هو التاريخ يسجل أن الجماعة الإسلامية المسلحة التي أصبحت جزءا من الماضي، قد ارتكبت مجازر تجاوزت فضاعتها كل حدود التصور، وها هو التاريخ يسجل كذلك أن الجماعة التي اختار لها أسامة بن لادن اسم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، للتخلص من مطاردة فضائع الجماعة الإسلامية المسلحة، تتحول إلى تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي، وتحول يوم الحادي عشر من كل شهر إلى شر مستطير يلاحق الجزائريين… وهل هناك أفظع من أن يقدم بنو آدميين على ذبح النساء والأطفال والعزل من سكان المناطق الريفية النائية، كما فعلت “الجيا”… وهل هناك أفظع من أن يقدم “إنسان” على تفجير عربة محملة بالديناميت وسط جزائريين آمنين لم يكن يخطر ببالهم أنهم لن يعودوا ذلك اليوم إلى أسرهم عند التحاقهم بمقار عملهم؟في نفس هذا السياق، انتقل مجتمعنا من عنف جماعات توصف بأنها عقائدية تسعى لإبادة المجتمع برمته حتى تتحكم فيه أو تحكمه، إلى عنف آخر لا يقل دموية وفظاعة عن مخلفات جماعات الإجرام الدموية، وقد استهدف هذه المرة الأطفال الذين يُخطفون من مواقع لعبهم أو من أمام مؤسساتهم التربوية، ليعثر عليهم مقتولين ومنزوعي العيون، أو حتى المخ، كما سجل مؤخرا بمدينة سيدي عيسى.وقبل أن تتضح معالم الجريمة المقترفة في حق أحد محامي قسنطينة، الذي ذبح داخل مكتبه بالآلة الحادة، التي تستخدم في تقطيع الأوراق المعروفة باسم “كيتور”، نقول بأن الإستخفاف بالأرواح في بلدنا قد تجاوز كل الحدود، وإلى الدرجة التي أصبح معها ذبح الآدمي لا يختلف في شيء عن ذبح الخرفان والدجاج… فهل نحن منتبهون للخطر الداهم الذي أصبح منتصبا عند رأس كل جزائري، ويهدد المجتمع من جذوره… يحزنني أن أقول بأننا غير منتبهين لهذا الخطر، ولمن أراد التأكد من هذا، يقرأ بتأمل البيانات التي تصدرها الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني، وخطب سياسيينا في كل مناسبة وفي غير مناسبة… إن المتأمل بعمق في ما يصدر عن الساسة و”نشطاء” المجتمع، يخاف حقيقة من المستقبل، مادام الذين يقودون البلد نحو هذا المستقبل، غير مدركين للمخاطر التي تعصف بالجميع… إن كل ما يجري في مجتمعنا خطير وخطير وخطير، لكن الأخطر منه أن لا ننتبه لهذه المخاطر.